منذ متى أصبحت الكهرباء في أي دولة في العالم امتيازًا يُشترى مرتين؟ ومنذ متى أصبح الحصول على بضع ساعات من الإنارة معركة يومية تستنزف أعصاب الناس وأموالهم وكرامتهم؟
في لبنان، لم تعد أزمة الكهرباء مجرد مشكلة خدمية عابرة، بل تحولت إلى كارثة اجتماعية واقتصادية وإنسانية تضرب كل بيت من دون استثناء.
المواطن اللبناني يدفع فاتورتين بدلًا من فاتورة واحدة. يدفع للدولة ثمن ساعات قليلة لا تكفي لتسيير أبسط متطلبات الحياة، ثم يدفع فاتورة أخرى للمولدات الخاصة التي تحولت إلى وحش يلتهم ما تبقى من دخله.
أي منطق هذا الذي يجعل الإنسان يدفع مرتين مقابل خدمة واحدة لا يحصل عليها أصلًا؟
ساعتان من الكهرباء كل ثمانٍ وأربعين ساعة، ثم تأتي الفاتورة لتقتطع ما تبقى من راتب أنهكته الضرائب وارتفاع الأسعار وانهيار العملة.
المأساة لم تعد تقتصر على أصحاب الدخل المحدود، بل تجاوزت ذلك إلى أصحاب المهن التي كانت تُصنَّف يومًا ضمن الفئات الميسورة. لقد وصل الحال إلى درجة أصبح فيها راتب قاضٍ أو ضابط برتبة عميد عاجزًا عن تغطية فاتورة الكهرباء.
فكيف يعيش الموظف العادي؟ وكيف يعيش العامل والمتقاعد والأرملة ورب الأسرة الذي يحمل على كتفيه أعباء عائلة كاملة؟
ثم تأتي المأساة الأكبر؛ الأموال محتجزة في المصارف، والمدخرات التي جمعها الناس خلال سنوات طويلة أصبحت تُصرف لهم بالقطارة، وكأن أصحابها يتسولون أموالهم بدلًا من أن يستردوا حقوقهم.
أي ظلم هذا؟
كيف يمكن للإنسان أن يؤمن احتياجات أسرته الأساسية إذا كان راتبه لا يكفي لدفع فاتورة الكهرباء وحدها؟
لقد أصبح المواطن اللبناني يعيش بين مطرقة المولدات وسندان الدولة. يقتطع جزءًا من راتبه لهذا، ويقدم الجزء الآخر لذاك، ثم يعود إلى منزله ليحسب ما تبقى، فيكتشف أن الراتب انتهى قبل أن ينتهي الشهر.
إن ما يحدث ليس أزمة كهرباء فحسب، بل انهيار لمنظومة كاملة فقدت قدرتها على حماية الإنسان وصون كرامته.
لقد تعبت الناس من الوعود، وملت التصريحات، وسئمت الخطط التي تُعلَن ثم تختفي كما تختفي الكهرباء نفسها.
ويبقى السؤال الذي يطرق أبواب الضمير السياسي والإداري كل يوم:
أي شعب في هذا العالم يستطيع أن يتحمل ما يتحمله الشعب اللبناني؟
وأي دولة تقبل أن يعيش مواطنوها في الظلام، بينما تُستنزف أعمارهم ورواتبهم ومدخراتهم في سبيل الحصول على حق بديهي لا يزال العالم كله يعتبره من أبسط مقومات الحياة؟
إنها صرخة شعب لم يعد يطلب الرفاهية، بل يطالب بحقه في العيش.
فهل بقي من يسمع؟
وهل بقي من ضمير؟