لم يكن المرتجى ان يخرج مجلس النواب وتخرج الحكومة بقوانين بالغة الاهمية السياسية والاجتماعية بالصيغة التي خرجت بها قوانين العفو العام وإلغاء عقوبة الاعدام وتنظيم الاعلام. وبغضّ النظر عن الثغرات والشوائب والملاحظات التقنية والقانونية في هذه القوانين، والتي استلزم بحثها عشرات الجلسات والاجتماعات في اللجان النيابية وبين الكتل النيابية والوزراء المعنيين، والتي تحدث عنها النواب وشخصيات سياسية واعلامية، الى ان تم اقرارها سريعاً، فإن ما طبع أنجاز هذه القوانين هو الصبغة الطائفية – المذهبية- المناطقية لقانوني العفو وإلغاء عقوبة الاعدام، والصبغة الانتقامية – التعسفية في قانون الاعلام، والتي ذهبت الى حدّ كم الافواه ومنع اي موقف يمس إداء السلطات الرسمية بشكل خاص. ما يدل على فشل مجلسي وحكومي في مقاربة هذه الملفات المهمة.
وقد بدا من المناقشات التي رافقت اعداد قانون العفو وقانون الغاء الاعدام، ان همّ النواب الذين اشتغلوا عليه كان فقط «تبييض صفحاتهم» امام ناخبيهم وجمهورهم العام لا سيما لدى الطائفة السنّية، بحيث أظهرت المناقشات والتوجهات التي طبعت العمل على القانونين بشكل غير مباشر، ان الطائفة السنّية طائفة تضم اكبر عدد من المجرمين والارهابيين المحكومين، وان ظلماً لحق بالطائفة، بينما المسؤولية في ذلك تقع على الحكومات والمجالس النيابية السابقة، التي كان يجب ان تقر قانون العفو العادل قبل عشر سنوات، لرفع الظلم عن المسجونين بلا محاكمات، او من لم يكن يستطيع ان يدفع كفالة الافراج عنه بعد صدور الحكم بحقه عن جرم بسيط او مخالفة بسيطة كإطلاق الرصاص ابتهاجاً او حزناً في الهواء، وهي بملايين الليرات اي الاف قليلة من الدولارات، ما اضطر بعض النواب السنّة وغير السنّة منذ فترة الى دفع كفالات البعض منهم لسبب خاص مناطقي اوانتخابي للإفراج عنهم .
والغريب ان الكثير من المسؤولين والنواب الحاليين والسابقين واكبوا منذ سنوات هذا الملف لا سيما خلال فترة الوجود السوري في لبنان، ولم يُحرّكوا ساكناً لمعالجة الملف لأسباب سياسية مصلحية خاصة وقتها اكثر مما هي امنية او محقة. بل ان بعضهم كان يغطي الارتكابات الارهابية ويدافع عن مرتكبيها بحجة النضال ضد النظام السوري السابق وحلفائه في لبنان. وكل هذا يبقى اسهل من الدفاع عن قتلة ضباط وجنود الجيش اللبناني خلال فترات التصدي للعمليات الارهابية وملاحقة مرتكبيها، وهو امر لم تحتمله المؤسسة العسكرية ولا ذوي الشهداء فحاولت شرح موقفها لكن تم منعها، وتحت عذر غير مبرر وهو عدم إغضاب الطائفة السنية والنواب السنّة، علماً ان عشرات الشهداء إن لم يكن اكثرهم من ابناء الطائفة.
وفي ملف قانون الاعلام، استفاضت نقابتا الصحافة والمحررين في شرح مخاطر بنوده على الحريات الاعلامية المسؤولة المنضبطة تحت سقف القانون القديم وميثاق الشرف الذي جرى اقراره قبل سنوات، وعلى الاعلام بشكل عام، ولكن ما يجدر التوقف عنده اكثر من غيره من بنود، هي البنود التي تتيح للأجانب تملك مؤسسات اعلامية او المساهمة فيها، وهو امر يحمل مخاطر سياسية وثقافية واجتماعية جمّة ليس اقلها تحكم الخارج لا سيما المتمولين، بالسياسة والتوجهات الاعلامية اللبنانية، حتى لو لم يكن صاحب المؤسسة او المساهم فيها بحصة كبيرة من الاعلاميين أصحاب المهنة. عدا عن ان تفريخ مؤسسات اعلامية لشخصيات غير لبنانية سيعني حكما حسب القانون الجديد تفريخ نقابات اعلامية من ما هبّ ودبّ ووفق غب الطلب السياسي للقيمين على هذه المؤسسة او تلك.
ويترافق إقرار هذا التوجه الاعلامي الرسمي الحكومي والنيابي، الذي كان يفترض ان يتم قبل سنوات طويلة ايضاً بعد وضع عدد لا بأس به من مشاريع واقتراحات قوانين الاعلام، مع المتغيرات الجيو – سياسية التي تطبع منطقة الشرق الاوسط لا سيما الدول العربية. وهو امر كان السبب وراء اعداد قانون جديد للإعلام يتلائم مع المتطلبات السياسية والاعلامية للمرحلة الجديدة التي بدت ملامحها الاساسية تظهر للعلن بالذهاب نحو تسويات اقليمية لا تراعي المصالح الكاملة لشعوب المنطقة بل تراعي مصالح الخارج.
امّا وقد حصل ما حصل في هذه الملاف، فقد بات المطلوب تصحيح المسار واعطاء كل ذي حق حقه بتعديلات لاحقة على هذه القوانين. تُنصف المظلوم، وتضبط الحرية الاعلامية بضوابط قانونية واخلاقية وتمنع التفلت وتفريخ المؤسسات والمواقع الاعلامية عشوائياً.