29 صفر 1448

الموافق

الجمعة 14-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم حين يعطش الفكر!
حين يعطش الفكر!
القاضي م جمال الحلو
2026-08-14
حين يعطش الفكر!

في كل أمة، يقف المثقف حارسًا للوعي، يحمل في يده مصباح المعرفة، ويسير بين الناس باحثًا عن نافذة ينفذ منها الضوء إلى العقول. غير أن هذا الحارس يجد نفسه، في كثير من الأحيان، في صحراء قاحلة، حيث يعلو التصفيق للمشهد العابر، وتتراجع قيمة الكلمة التي توقظ الضمير وتصنع المستقبل. ومن هنا يبدأ ظمأ المثقفين؛ ذلك الظمأ الذي لا يرويه الماء، بل يطفئه الاعتراف بقيمة الفكر، واحترام العقل، وإفساح المجال أمام الحوار الحر.

فالمثقف الحقيقي لا يطلب مجدًا شخصيًا، ولا يسعى إلى رفاهية الألقاب، وإنما يتطلع إلى مجتمع يقرأ قبل أن يحكم، ويسأل قبل أن يصدق، ويحتكم إلى الدليل بدلًا من الانفعال. غير أن الواقع كثيرًا ما يضعه في مواجهة عزلة ثقيلة، إذ تتقلص مساحات القراءة، وتتراجع المنابر الجادة، وتتسع هيمنة الخطاب السريع الذي يستهلك العقول أكثر مما يغذيها.

ولا يقتصر أثر هذا الظمأ على المثقفين وحدهم، بل يمتد إلى المجتمع بأسره. فعندما تضعف الثقافة، تتراجع القدرة على النقد والإبداع، وتصبح الشائعات أسرع انتشارًا من الحقائق، ويغدو الجهل أكثر جرأة من المعرفة. أما حين يجد الفكر بيئة تحتضنه وترعاه، فإن الإبداع يزدهر، وتتجذر قيم التسامح، ويتحول الاختلاف إلى مصدر للإثراء، لا إلى سبب للفرقة والانقسام.

إن مستقبل الأمم لا يُقاس بما تمتلكه من ثروات مادية فحسب، بل بما تحتضنه من عقول قادرة على الإبداع والتجديد. 
ولذلك، فإن إرواء ظمأ المثقفين ليس منحة تُمنح لفئة محدودة، بل هو استثمار في وعي المجتمع بأسره؛ لأن الحضارة تبدأ بفكرة صادقة، وتنمو بكلمة مسؤولة، وتبقى حية ما دام العقل يجد من يصغي إليه، ويؤمن برسالته.

القاضي م. جمال الحلو

أخبار مماثلة