منذ رحيل المغفور له الإمام الشيخ عبد الأمير قبلان، الرئيس السابق للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، خسر لبنان ركناً من أركان الاعتدال، وخسرت الأمة عالماً من علماء الوحدة، ورجل دولة بثوب رجل دين.
عرفته عن قرب في بدايات عملي الصحافي، وكانت تربطني به علاقة وثيقة أعتز بها. لم يكن يراني صحافياً فقط، بل كان يعاملني كفرد من عائلته. كان بحق “إمام القرّاء” قبل أن يكون إمام المنابر، لأن كلمته كانت تصل إلى القلوب قبل العقول.
بيت مفتوح وقلب لا يرد سائلاً
كان بيته ومكتبه مفتوحين للجميع بلا مواعيد ولا حواجب. لا يرد صاحب حاجة، ولا يكلّ من سماع هموم الناس. يقابل الكبير والصغير، الغني والفقير، بلطف وتواضع نادر. كان يعمل على مساعدة الجميع بتفانٍ ومحبة، لأن خدمة الناس عنده كانت عبادة.
إمام الوحدة الوطنية والإسلامية
لم تكن تعنيه حدود طائفة ولا منطقة. كل ذرة تراب في الجنوب كانت تعنيه، وكل شبر في لبنان كان في قلبه. لم يميز يوماً بين مواطن لبناني وآخر. كان يؤمن أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، وأن عزته في وحدته.
وكان صوتاً صادقاً للوحدة الإسلامية، يرفض الفتنة، ويقاوم كل أشكال التفرقة المذهبية، ويؤمن أن قوة الأمة في تآخيها.
عروبي مقاوم للظلم والهيمنة
كان الإمام قبلان عروبياً أصيلاً، وصاحب موقف واضح من قضايا الأمة. قاوم الظلم والهيمنة والتسلط بكل أشكاله. وكان للقدس وفلسطين مكانة خاصة في خطابه ووجدانه، وللمقاومة ضد الاحتلال مكانة في ضميره، لأنها عنده حق الشعوب في الدفاع عن أرضها وكرامتها.
لهذا السبب أحبه الناس. أحبه لأنه كان منهم، يشعر بوجعهم، ويحمل همهم، ولا يتكلم من برج عاجي.
الخاتمة: إرث لا يموت
لقد ترك الإمام الشيخ عبد الأمير قبلان إرثاً كبيراً: إرث الاعتدال، وإرث الحوار، وإرث خدمة الوطن والمواطن.
رحل الجسد، لكن بقيت الكلمة والموقف والمدرسة.
سلام على روحه الطاهرة، وعلى سيرة رجل كان بحجم الوطن، وبحجم المحبة التي زرعها في قلوبنا.