تَقتُل إسرائيل زينب ناصر الدين، فنكتشف أنها شاعرة ومترجمة من رثاء أخويها الشاعر محمد ناصر الدين والفنان حسين ناصر الدين لها.
يستعيد الأول، عبر حسابه على "فيسبوك"، كلمات الصحافي جبران تويني في تسعينيات القرن الماضي عن الشاعرة وأخيها الشاعر وهما في مقتبل شبابهما، يتنافسان على مَن تكون قصيدتُه أسبق على صفحات ملحق الشباب الذي كانت تصدره جريدة النهار. أمّا شقيقها الأصغر حسين فيسترجع صورةَ العائلة التي أبادتها الغارة الإسرائيلية على بلدة أنصار، كاملةً، الأمّ والأب وأبناؤهما الأربعة: حسن، وزهراء، وعباس، وحسين.
خلف صورة الأُمّ والأخت الشهيدة، إذاً، شاعرةٌ لم تُمهلها أقدار الحياة حتى نقرأ اسمها في مجموعة شعرية خاصة. وهي ابنة الباحث الجنوبي مهدي ناصر الدين الذي اشتغل على تحقيق التراث الشعري العربي وأخرج للنور دواوين شعراء مثل الأخطل، وشرح ديوان جرير، وشرح ديوان جميل بثينة، وغيرهم. في بيت كهذا، لم تكن علاقة زينب باللغة طارئة، ولا الشعر غريباً عن يوميات العائلة، كانا جزءاً من إرثٍ ثقافي نشأت عليه في سجد، البلدة الجنوبية التي دمّرت إسرائيل شطراً كبيراً من بيوتها. وبين بيتٍ يُعلّم أبناءه الإصغاء إلى الشعر، وبلدةٍ تُمحَى ملامحها بالحرب، تشكّلت شاعرةٌ لم يُتح لها أن تجمع قصائدها في كتاب.
نشرت قصائدها في صحف لبنانية وترجمت أعمالاً لهوغو ودوما
لكننا نقرأ اسم زينب اليوم مترجمةً أيضاً، إذ لم تصل مجموعتها الشعرية إلى المطبعة، وبقي شعرها، على ما يبدو، في المساحة التي كُتب فيها، بين دفاترها وذاكرة من عرفها، فقد تركت أثراً أكثر وضوحاً في هذا السياق، إذ نقلت إلى العربية عملَين من كلاسيكيات الأدب الفرنسي: "أحدب نوتردام" للروائي فيكتور هوغو، طبعة وقعت في 464 صفحة، كما ترجمت رواية "الفرسان الثلاثة" للروائي ألكسندر دوما.
في هذا الخيار تحديداً، نلمح انحيازاً أدبياً لعالم يقوم على شرف المواجهة وقيم النجدة؛ عالمٌ اختصره دوما بشعاره الشهير "الواحد للكل، والكل للواحد"، غير أن المفارقة التي تجلّت في فجر أنصار تكمن في تلك الهوة السحيقة بين واقعين: واقع الرواية الذي تحتلّ فيه الإنسانية والرفق الصدارة، وواقع الإبادة الحديثة الأخرق الذي يفتقر إلى أدنى قيم الشجاعة.
يضعُ قتل زينب وعائلتها، بهذه الطريقة الوحشية، اليدَ على جرح ما يزال مفتوحاً في جسد الثقافة اللبنانية، ويعيد إلينا سيرة أسماء نسائية عبرت المشهد الأدبي. لعلّ الشاعرة خاتون سلمى واحدة من هؤلاء، تلك التي انشغلت بالتصوف وتركت مجموعتين شعريّتين، قبل أن تقتلها هي وزوجها، يوم الثامن من إبريل/ نيسان الماضي، غارةٌ إسرائيليةٌ استهدفت العمارة التي تقطنها في تلّة الخياط ببيروت. بين خاتون وزينب مسافة في العمر والتجربة، لكن قدراً ثقيلاً وموحشاً يجمعهما اليوم: امرأتان عاشتا مع الشعر والأدب، واستمدّتا منهما عوالم الشجاعة والرفق، كما تجلّت في حكايات النساء وشخصياتهنّ، ثم جمعهما المصير نفسه، خاتون مع زوجها، وزينب مع زوجها وأطفالها الأربعة، شَهيدتين في مواجهة آلة القتل الإسرائيلية التي تقوم على كلّ ما هو نقيض لتلك القيم.