1 ربيع الأول 1448

الموافق

السبت 15-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم الانتخابات الفلسطينية القادمة: هل نعيد توزيع السلطة أم نعيد بناء النظام؟
الانتخابات الفلسطينية القادمة: هل نعيد توزيع السلطة أم نعيد بناء النظام؟
د. عبد الرحيم جاموس
2026-08-15
الانتخابات الفلسطينية القادمة: هل نعيد توزيع السلطة أم نعيد بناء النظام؟


تقترب فلسطين من استحقاق انتخابي بالغ الأهمية، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد منافسة على مقاعد المجلس التشريعي، أو مناسبة لتغيير بعض الوجوه وموازين القوى بين الفصائل. 
فالانتخابات تأتي في لحظة تاريخية استثنائية، بعد سنوات طويلة من الانقسام، وفي ظل حرب مدمرة، وأزمة ثقة متراكمة، وتراجع في فاعلية المؤسسات، وتحديات تستهدف القضية الفلسطينية ومشروعها الوطني.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق صناديق الاقتراع ليس: من سيفوز؟ وإنما: أي نظام سياسي نريد أن تنتجه الانتخابات؟
فهناك فرق كبير بين انتخابات تعيد توزيع المقاعد داخل نظام مأزوم، وانتخابات تشكل مدخلاً لإعادة بناء الشرعية والمؤسسات والنظام السياسي على أسس جديدة.
الانتخابات وسيلة لا غاية...
الانتخابات في جوهرها وسيلة لتجديد الشرعية الشعبية، واستعادة ثقة المواطن، وتنظيم العلاقة بين الشعب ومؤسساته.
لكن الشرعية الانتخابية وحدها لا تكفي؛ فالمطلوب أن تفتح الانتخابات الطريق أمام إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، بحيث تصبح المؤسسات تعبيراً عن الإرادة الشعبية، وتخضع جميع القوى والأشخاص للقانون، وتتحول السلطة من مجال للتنافس الفصائلي إلى أداة لخدمة المواطن وتحقيق أهدافه الوطنية.
وهذا يقتضي الانتقال من منطق المحاصصة إلى الشراكة، ومن تعدد مراكز القرار إلى وحدة القرار الوطني، ومن هيمنة الفصيل إلى دولة المؤسسات.
إعادة بناء منظمة التحرير والسلطة ...
لا يمكن بناء نظام سياسي فلسطيني مستقر من دون إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الوطني الجامع والممثل السياسي للشعب الفلسطيني.
ومن ثم، ينبغي أن تكون الانتخابات جزءاً من مسار متكامل لإعادة بناء مؤسسات المنظمة وتوسيع قاعدة المشاركة فيها، بما يضمن تمثيل مختلف القوى والاتجاهات والمكونات الفلسطينية في الوطن والشتات.
فالشعب الفلسطيني واحد، وقضيته واحدة، ولا يجوز أن يبقى تمثيله السياسي مجزأً بين الداخل والشتات أو بين الضفة وغزة.
وفي الوقت نفسه، يجب إعادة تنظيم العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة والحكومة والمجلس التشريعي، بحيث تتكامل الأدوار وتتحدد الصلاحيات بوضوح، ولا تتداخل المؤسسات أو تتنافس على القرار الوطني.
أما السلطة الفلسطينية، فينبغي إعادة بنائها على أسس مهنية وقانونية، لتكون سلطة مؤسسات تخدم المواطن وتخضع للمساءلة، لا ساحة للتجاذب الفصائلي.
وحدة الوطن والمؤسسات ...
لقد تحول الانقسام الفلسطيني من خلاف سياسي إلى أزمة عميقة في بنية النظام السياسي نفسه.
ومن هنا فإن أي نظام جديد يجب أن يقوم على قاعدة بسيطة وحاسمة:
شعب واحد، وطن واحد، سلطة واحدة، مؤسسات واحدة، وقانون واحد.
وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة ليست شعاراً سياسياً، بل شرط لبناء الدولة الفلسطينية. 
ولا يمكن أن تقوم دولة بمؤسسات منقسمة، أو بسلطات متعددة، أو بمراكز قرار متنافسة.
والمطلوب ليس توحيداً شكلياً للمؤسسات، وإنما بناء مؤسسات وطنية مهنية مستقلة، تقوم على الكفاءة والنزاهة والشفافية، وتخضع للقانون والمساءلة، وتقدم خدماتها للمواطنين بعدالة.
البرنامج الوطني قبل الأشخاص والقوائم ...
من أخطر ما يمكن أن تتحول إليه الانتخابات أن تصبح سباقاً بين الأسماء والشعارات، بينما يبقى مستقبل النظام السياسي غامضاً.
المرحلة المقبلة تحتاج إلى برنامج وطني جامع وملزم تتوافق عليه القوى والقوائم المشاركة، ويصبح أساساً للتفويض الشعبي الذي تمنحه صناديق الاقتراع.
وينبغي أن يتضمن هذا البرنامج، في جوهره:
سيادة القانون واستقلال القضاء، والفصل بين السلطات، والتداول السلمي للسلطة، واحترام التعددية والحريات العامة؛ وتوحيد المؤسسات؛ ومكافحة الفساد والمحسوبية؛ وإعادة بناء الاقتصاد؛ وتوفير الخدمات وفرص العمل؛ وإعادة إعمار غزة؛ وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني؛ وتوحيد القرار الوطني السياسي والدبلوماسي والقانوني.
وبذلك تصبح الانتخابات تفويضاً لتنفيذ برنامج وطني واضح، لا تفويضاً مفتوحاً لإدارة السلطة وفق موازين القوى الفصائلية.
لا إقصاء ولا احتكار ...
إن إعادة بناء النظام السياسي لا يمكن أن تقوم على إقصاء أي مكوّن فلسطيني، كما لا يمكن أن تقوم على احتكار فصيل أو تيار للقرار الوطني.
المطلوب نظام يتسع للجميع، لكنه في الوقت نفسه يضع الجميع أمام قواعد واحدة.
لكل قوة سياسية الحق في برنامجها ورؤيتها واجتهادها، لكن مؤسسات الدولة والقانون والقرار الوطني يجب أن تكون فوق الجميع.
وهذه هي الوحدة الوطنية الحقيقية: أن نختلف في البرامج والسياسات، لكن نتفق على قواعد النظام السياسي، وعلى احترام نتائج الانتخابات، وعلى سيادة القانون، وعلى وحدة المؤسسات والقرار الوطني.
فالوحدة ليست توزيعاً للمناصب، ولا اتفاقاً موسمياً بين القيادات، وإنما شراكة سياسية ومؤسساتية مستقرة.
غزة وإعادة الإعمار ...
ستكون إعادة إعمار غزة أحد أكبر الاختبارات للنظام السياسي الجديد.
فالإعمار ليس مجرد إعادة بناء البيوت والمنشآت، بل إعادة بناء الحياة والاقتصاد والتعليم والصحة والخدمات والمؤسسات.
ولهذا يجب أن يتم في إطار وطني فلسطيني موحد، وبإدارة شفافة وخاضعة للرقابة والمساءلة، تضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها وتحول دون الفساد والمحاصصة والتوظيف السياسي.
إن المجتمعين العربي والدولي سيحتاجان إلى شريك فلسطيني يمتلك الشرعية والقدرة المؤسسية على إدارة أموال الإعمار بكفاءة وشفافية.
ومن هنا يصبح الإصلاح السياسي شرطاً لنجاح الإعمار، والإعمار جزءاً من إعادة بناء الدولة والمجتمع.
الشرعية الشعبية والقبول الدولي ...
لا ينبغي أن يكون هدف الإصلاح السياسي إرضاء الخارج، كما لا يجوز تجاهل البيئة الدولية.
فالقاعدة الصحيحة هي أن الشرعية الشعبية هي الأصل، والقبول الدولي نتيجة طبيعية لنظام ديمقراطي شرعي قادر على الوفاء بالتزاماته.
انتخابات حرة ونزيهة وشفافة، ومؤسسات منتخبة، وحكومة كفؤة، وقضاء مستقل، وحقوق وحريات مصانة، ومساءلة وشفافية؛ كلها عناصر تمنح النظام السياسي قوة داخلية ومصداقية خارجية.
وعندها يستطيع الفلسطينيون مخاطبة العالم من موقع أقوى: شعب موحد سياسياً، ومؤسسات شرعية، وبرنامج واضح، وإرادة شعبية متجددة.
نحو عقد وطني سياسي جديد ...
ربما تكون الانتخابات المقبلة فرصة للانتقال من مفهوم «المصالحة» المؤقتة إلى عقد وطني سياسي جديد.
عقد يحدد قواعد اللعبة السياسية، ويضمن التداول السلمي للسلطة، ويحمي التعددية، ويكرس استقلال المؤسسات، ويمنع الإقصاء والاحتكار، وينظم العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة والحكومة والمجلس التشريعي، ويضع الأهداف الوطنية العليا فوق الخلافات الحزبية.
فلسطين لا تحتاج إلى اتفاق مؤقت آخر سرعان ما تنهار تفاهماته، وإنما إلى قواعد دائمة لإدارة الاختلاف والشراكة، تصبح جزءاً من بنية النظام السياسي والقانوني.
الإصلاح الداخلي طريق إلى التحرر الوطني ...
كل هذا الإصلاح ليس غاية في ذاته.
فالهدف النهائي هو تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره، وإنهاء الاحتلال، وتجسيد دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية.
إن قوة المشروع الوطني في المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بقدرته على إدارة السلطة، وإنما بقدرته على توظيف الشرعية الشعبية والمؤسساتية والدبلوماسية والقانونية في معركة الحرية والاستقلال.
ولهذا فإن إعادة بناء النظام السياسي ليست شأناً إدارياً داخلياً، بل جزء من معركة التحرر الوطني ذاتها.
ليست المسألة: من يفوز؟
من هنا، ينبغي أن نعيد تعريف معنى الانتخابات القادمة.
ليست القضية أن يفوز هذا الفصيل أو ذاك، ولا أن تتغير أسماء المسؤولين، ولا أن تنتقل موازين النفوذ من طرف إلى آخر.
القضية الأهم هي:
هل نملك الإرادة والشجاعة لبناء نظام سياسي جديد؟
نظام تكون فيه السلطة ملكاً للشعب، والمؤسسات ملكاً للوطن، والقانون فوق الجميع، والانتخابات وسيلة لتداول السلطة، ومنظمة التحرير إطاراً وطنياً جامعاً، والحكومة أداة لخدمة المواطن، والبرنامج الوطني مرجعية ملزمة للجميع.
إذا نجح الفلسطينيون في ذلك، فإن الانتخابات لن تكون مجرد استحقاق ديمقراطي، بل بداية لمسار تاريخي لاستعادة الثقة، وإنهاء الانقسام، وإعادة بناء المؤسسات، وتوحيد القرار الوطني، وفتح الطريق أمام الدولة الفلسطينية المستقلة.
أما إذا تحولت إلى مجرد معركة مقاعد وحصص ونفوذ، فسوف تتغير الوجوه بينما تبقى الأزمة كما هي.
لقد آن الأوان ألا نسأل فقط:
من سيحكم فلسطين؟
بل أن نسأل السؤال الأهم:
كيف نبني النظام السياسي الذي يحكم فلسطين بإرادة شعبها، ويحمي حقوقها، ويوحد مؤسساتها، ويقودها نحو الحرية وتقرير المصير والاستقلال؟
فلسطين أكبر من الفصائل والأشخاص والانتخابات نفسها.
إنها وطن وشعب وقضية وحق، يستحق نظاماً سياسياً يليق بتضحياته، ويستجيب لطموحاته، ويقوده بثقة نحو الحرية والاستقلال وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
د. عبد الرحيم جاموس
15/8/2026 م

أخبار مماثلة