3 ربيع الأول 1448

الموافق

الإثنين 17-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة لبنان الحرية والجيش الوطني
لبنان الحرية والجيش الوطني
غازي العريضي
2026-08-17
لبنان الحرية والجيش الوطني

 

أقرّ مجلس النواب الأسبوع الفائت قانونين: الإعلام والعفو العام. والدولة مسؤولة أساساً عن عدم تطبيق قانون الإعلام السابق، وعدم تطبيق العدالة وفق الأنظمة القضائية واحترام حق الموقوفين بمحاكمة عادلة، فأبقي الآلاف في السجون من دون محاكمة. الأمر الذي فاقم المشكلة. واتخذت القرارات الأخيرة تحت ضغط الظلم والتدخلات الداخلية والخارجية والحسابات المذهبية والطائفية والمصالح الشخصية، وكانت إساءة لمبدأ التشريع وللأهداف النبيلة الإصلاحية التي ينبغي أن تكون القاعدة التي تبنى عليها أسس دولة القانون والعدالة والمساواة. 

في قانون الإعلام السابق شوائب كثيرة كان ينبغي إزالتها وتطوير مضمونه وآلياته بما ينسجم مع التطورات التكنولوجية التي نقلت الإعلام ووسائله من مكان إلى آخر، بل نقلت العالم كله من مكان إلى آخر. وسائل التواصل الاجتماعي السريع تحوّلت شاشاتها إلى مشاع. كل إنسان في أي مكان في العالم بإمكانه أن يكتب ما يشاء ويستخدم التعابير التي يشاء وخلال لحظات يعمّ الخبر أو التعليق وتكرّس تعبير "مؤثر" في مصطلحات التوصيف لهذا "الإنتاج" وصاحبه. لا قيود. لا حواجز. الذين أرادوا التطوير تجاهلوا هذه الحقيقة والتي كان بالامكان التعامل معها انطلاقاً من تجارب دول ديموقراطية عريقة من جهة، وصعوبة الضبط المطلق من جهة ثانية، آخذين بعين الاعتبار ما نشاهده في ميادين وساحات العالم من مظاهرات وهتافات واتهامات لكبار المسؤولين في الدول وللحكومات ورؤسائها والوزراء والمؤتمنين على إدارة الشأن العام والمؤسسات وانتظام عملها وفق القانون واحترام الحريات. 

لقد طورت دول كثيرة قوانين الإعلام فيها وتواجه صعوبة في التعامل مع وسائل التواصل. والأمور ذاهبة إلى مزيد من التعقيد. لكن حرية الانسان لا يستطيع أحد لجمها او مصادرتها باختراع قوانين تؤدي إلى عكس ما هو مرتجى من التعديل والتطوير. لا يجوز سجن صحفي وصاحب رأي لأنه مارس حقه في التعبير عنه. هذا في المبدأ. فكيف إذا كنا في لبنان، البلد الذي يزخر بنعم كثيرة أبرزها الحرية نأتي في عصر التكنولوجيا وانتشار الخبر السريع ونحوّل نعمة حرية التعبير إلى نقمة ؟ هذا لبنان كان يحسده كثيرون في دولهم نحوّله إلى دولة مشابهة لها. قانون الإعلام السابق كان بحاجة إلى تعديل وتطوير، لكن ليس من طريق تحويل مصير المتمسك بحرية التعبير إلى أسير أو موقوف. لو طبق القانون، وإذا طبقنا كل القوانين على علاّتها بدون استنساب واستهدافات سياسية ومصلحية لانتظمت الأمور إلى حدود بعيدة. أما في لعبة السلطة التي عشنا كواليسها فغياب المعيار الواحد هو سبب كل مشكلة. التعاطي على قاعدة من هو معنا يحق له أن يقول ويفعل كل شيئ ومن يكون ضدنا نذهب إلى فعل كل شيئ في وجهه فنمارس الضغط والابتزاز على المؤسسة الاعلامية التي يعمل فيها، ونلجأ أحياناً إلى إقفالها، ونستخدم ورقة القضاء والابتزاز للقضاء على الحرية والعدالة والمساواة. هذا ضعف وسوء استخدام للسلطة والقانون وانحراف وإساءة للبنان الحرية والعدالة والنكهة والتنوّع. 

عندما لا يطبّق القانون بكل مندرجاته التقنية والمالية ونحمي فلتاناً وتجاوزاً ونتحامل ونضغط تكون النتيجة الحالية التي وصلنا إليها ولا يكون علاجها بالهروب إلى الأمام، وأي تصرف على أساس أن ثمة انقلاباً في المعادلة السياسية في البلد يتيح سنّ قوانين واتخاذ قرارات متسرّعة تلبي حاجة آنية بسبب انتقاد مسؤول أو سياسة حكومية أو قرارات معينة فهذا أمر خطير جداً. في القانون ليس ثمة انتقام. ثمة عدالة. "تشريع الانتقام" لا يجوز. الذي تعرّض لاستهداف كان القانون ملاذه. إذا ظلم جاءه عفو بعد وقت. وإذا لم يأت واستمر الظلم وتغيرت المعادلة لا يكون التعديل والتطوير باعتماد آليات ظلم آخرين بذلك نحوّل لبنان إلى تصحّر سياسي ولا نضبط فلتاناً أو فوضى ولا ينتظم عمل العدالة ودولة القانون. 

وزير الاعلام في لبنان هو حارس الحرية وكل إعلامي يجب أن يكون حارس الحرية ومسؤولاً أمام مهنته وحرفته قبل أن يكون مسؤولاً أمام الناس والدولة والقانون. 

لقد ضُرب النظام المالي واستخدم بعض الاعلام في ذلك. ويُضرب التنوّع ويساء إلى الوحدة الوطنية في انعكاس للمناخ السياسي العام ويلعب بعض الإعلام "والمؤثرين" دوراً في خدمة هذا التوجه. وتُضرب نعمة الحرية والديموقراطية، حرية التعبير وحرية التفكير، إنها الأسس الجوهرية في ميزة ونكهة لبنان، فهل ثمة ما يُفرح في هذا "الانتقام من لبنان" وإقراره بقوانين؟

إن كل الحريصين على الحرية في البلد واستمرار الإعلام اللبناني منارة مضيئة استثنائية مدعوون إلى العمل الجدي مع كل المسؤولين لإجراء التعديلات المطلوبة لناحية حرية الإعلام. هذه مســؤولية وسائل الإعلام والنقابات والجهات الرسمية والقوى السياسية احتراماً لشعارات "الحرية والسيادة والاستقلال والكرامة الوطنية والحضارات التي يعود عمرها لآلاف السنين ولشهداء الصحافة وعيدهم ورفضاً لقيام نظام أمني" .

في قانون العفو العام: 

هو ضروري وتأخرت الدولة في إقراره. وأمر جيد صدوره لوضع حد لظلم أصاب كثيرين من جهة ولانتظام عمل العدالة من جهة أخرى. ويجب أن يفتح الباب لمعالجة تداعيات وانعكاسات ما جرى على المستوى الوطني الداخلي واستيعاب آثاره النفسية والسياسية، وأن يكون عنصراً مساعداً لتطوير العلاقات اللبنانية السورية التي تأخر فعلياً إطلاق مسار رسمي واضح من قبل في هذا الاتجاه، رغم بعض الزيارات والإجراءات الخجولة حتى الآن. إلا أن أخطر ما رافق إقرار القانون أمران. الأول: "ترهيب" وزير الدفاع ومنعه من الكلام تحت عنوان "الكتاب" والصلاحيات، ولم يأت مسؤولون إلى مواقعهم في الأساس من خلال الكتاب بل بإشارات وإيحاءات خارجية، كما اعترف كثيرون من بيئة كريمة حاولوا تحريضها في سياق الدفاع عن القانون. الوزير أي وزير له دوره وموقعه. ورأيي الشخصي كان بامكان الوزير أن يقول كلمته داخل القاعة أو خارجها أو في الوزارة ويعبّر عن رأي الوزراة التي يحمل أمانتها ولا يستطيع أحد أن يمنعه من ذلك. 

أما الأمر الثاني والأهم هو التصريح بأن ثمة من يريد أن يضع الجيش في مواجهة الطائفة السنية! وهذا كلام ليس في محله. غير مسؤول. ولا يقدّم موقع وموقف الطائفة الكريمة الأصيلة المتجذرة في تاريخ البلد، ولا يحفظ تضحيات أبنائها في المؤسسة العسكرية الأم وكل المؤسسات الأمنية الأخرى. أبناء هذه الطائفة شكلوا ويشكلون منذ عقود من الزمن الخزّان البشري الكبير للجيش اللبناني. قدّموا عدداً كبيراً من الشهداء ولا يزالون مع رفاق الدرب والسلاح يأتون من مناطق بعيدة إلى الجنوب وغيره ويقومون بواجبهم في ظروف اقتصادية اجتماعية خانقة ويقدمون دماً وتعباً وجهداً جنباً إلى جنب مع إخوانهم ورفاقهم من الطوائف الأخرى. لا يجوز تحت أي ضغط أو ظرف أو سبب أو هدف أن يستخدم مثل هذا الكلام عن الجيش وأن يربط باستهداف طائفة في وقت يعيش فيه لبنان حالة توتر وقلق ويقوم الجيش بأدوار استثنائية في مواجهة تجار المخدرات ومروّجيها والمهربين والمخربين العابثين بالأمن وينفذ مهمة استعادة قرار الدولة وحضورها في الأراضي المحتلة بعد تحريرها واستعادة الأسرى وإطلاق ورشة الإعمار وبسط سيطرتها على كل الأراضي اللبنانية. الجيش يقوم بعمل ممتاز وقدّم تضحيات كبيرة وهو متروك والبعض في الداخل يستهدف دوره وإنجازاته وأعماله وتضحياته ويشكك بقيادته وإسرائيل لا توقف عدوانها وتحاول منعه من تنفيذ خطته وقرارات الدولة والاتفاقات التي عقدتها. 

يجب أن يتذكر الجميع أنه عام 1998 أُخرج رفيق الحريري من رئاسة الحكومة في عملية استهداف لشخصه ودوره وتأثيره وموقع طائفته من خلاله، وهو كان يقوم بدور وطني جامع ويحقق مصالح لبنان وسوريا معاً. استمر الإبعاد سنتين تقريباً. يوم وقعت أحداث الضنية وقعت الدولة بقيادتها السياسية ومؤسساتها الأمنية في مأزق كبير بعد الاعتداء على الجيش وقتل عدد من الضباط والعسكريين بشكل بشع وكانت سوريا تدير كل شيئ في إطار العمل الأمني السوري اللبناني المشترك. رفيق الحريري "السني القوي" المُبعد بعملية إنقلابية و"كمين" "وبدعة دستورية" عن رئاسة الحكومة هو الذي غطّى الدولة عندما تصرف بعقل الدولة لا بالحقد والتخلّي وإدارة الظهر والانتقام وردّات الفعل. فعلياً يمكن القول أنه الرجل الذي أعطى "الضوء الأخضر" لعملية ضد "إرهابيين" اعتدوا على الجيش وكان الغطاء الكبير له. لأن ليس ثمة "بيئة سنية" حاضنة للإرهاب كما كان يدّعي البعض. بعد ذلك الحكومة اللبنانية مجتمعة واجهت "فتح الاسلام" في مخيم نهر البارد ودفع الجيش ثمناً كبيراً فيها وبعدها بسبب إقدامه وقتاله وكان غطاء سني وطني له وبالتالي لا يجوز أن يخرج أي مسؤول بحديث عن وضع الجيش في وجه السنة في محاولة استنفار غرائزية لمشاعر مذهبية معينة في لحظة انقسام سياسي كبير على المستوى اللبناني العام، حتى لو طرح وزير أو اي مسؤول كلاماً نقدياً أو قدّم ملاحظات حول القانون تحت عنوان شهداء الجيش أو غير ذلك خصوصاً وأن الجميع يعلم أنه كان قد تم الاتفاق على تمرير القانون .. 

إن محاولة استحضار الأساليب والآليات السابقة التي اعتمدت في إدارة الدولة واستخدام مؤسساتها أدى في جانب معين إلى الحرب والفوضى وكرّس الانقسام ونحن بغنى عن كل ذلك اليوم. 

يكفي الجيش الاعتداء عليه من قبل اسرائيل التي تستهدف كل الدولة وأهلها وقيادتها ومسؤوليها واتفاقهم معها وتستمر في ارتكاب المجازر وقتل العائلات كما حصل في دير الزهراني وأنصار وبرّرته الإدارة الأميركية، وتعمّم الدمار والخراب ويهدّد قادتها بالبقاء في مواقعهم والتوسّع أكثر. وهذا يستوجب إدارة عاقلة حكيمة مسؤولة جامعة وطنية للأزمة لا مكان فيها لأي كلام أو تصرف موتور أو انفعالي. واسرائيل تنشر منذ أيام خريطة تشطب فيها منطقة كبيرة من الجنوب بما يتوافق مع طموحاتها ومشروعها وأهدافها. 

المطلوب أكثر من اي وقت مضى حماية لبنان الموحّد، لبنان الحرية والديموقراطية والعدالة والقانون، لبنان الجيش الوطني الذي يحمي الأرض والإنسان ويحميه كل اللبنانيين ويتكامل دوره مع المؤسسات الأمنية الأخرى .

المدن
أخبار مماثلة