لو أن ميشال منسى ليس وزيراً للدفاع وإنما يشغل إحدى الحقائب الأُخرى في الحكومة اللبنانية، فإنه كان موضع إستغراب منْعه مِن إلقاء بضع كلمات ترفع مِن معنويات الجيش اللبناني الذي يكابد واجباً بالغ التعقيد إزاء ما يحدُث في الجنوب اللبناني المغلوب على أمره مِن إعتداءات إسرائيل ومِن حالة غير مسبوقة غير متمكن ما فيه الكفاية مِن معالجتها أو ربما حسْمها. وبالمفهوم العسكري بدا رئيس الحكومة نوَّاف سلام كما لو أنه قائد الجيش ومِن الصلاحيات المتعارف عليها لهذا القائد أن يجيز أو يمنع لعمداء وقادة ميدانيين يتكلمون في موضوع وترْك الأمر للقائد أن يقول وعليهم الإستماع وبكثير من الإصغاء ثم التنفيذ.
إفترض وزير الدفاع ميشال منسى وبدافع عفوي أن مِن واجب المنصب الذي يشغله قَول بعض الكلام، وبذلك ينوب عن رئيسه نوَّاف سلام أمر التحدث لدواع تتقاطع فيها المسائل لدى رئيس الحكومة، لذا إرتأى أن يخاطب الجيش ما دام هو وزير الدفاع وليس وزير الداخلية.
إلى ذلك إن منْع وزير الدفاع مِن إلقاء كلمته بدا كما لو أنه للكيد، مع أنه ليس كذلك. وعندما يترك الوزير لدموع تفرزها عيناه تعبيراً عن أسلوب منْعه من إلقاء كلمة، بدل أن ينصرف كما بعض وزراء مِن إجتماع لمجلس الوزراء، فإنه بالدمعة عالج ما شعر به نفسياً ثم أتبع ذلك إصداره البيان الذي تضمنت بعض عباراته نوعاً مِن الحدة لا تخدم التوافق الحكومي في هذه المرحلة والتي رغم الصواعق التي تجري في الجنوب تدميراً وتجريفاً وقتلاً ما زال السفير الأميركي المعوَّل على أصوله اللبنانية ميشال عيسى يؤكد أن مفاوضات روما بعد واشنطن واللقاءات العسكرية الأميركية – اللبنانية المتفرعة عن تلك المفاوضات التي لم تثمر تقدماً تبعث على التفاؤل «بأنها ستساعد على حلحلة الأمور في لبنان والمنطقة...». ويا سعادة السفير (الذي أدمعت عينيه هو الآخر أبيات زجَّال في مناسبة خاصة) إن لبنان يشكو مُر الشكوى نظاماً وشعباً تحت سمْع وبصًر رئيسك ترمب وعلى نحو القول الشهير «خيراً تسمع شراً تراه...». إنها إذا جاز القول أحجية أكثر منها صيغة حل، كما أنها مؤشر إلى أن ما هو مخطَّط مِن جانب الحليفيْن ترمب – نتنياهو يتم وعلى اللبنانيين التحمل إلى أن يصل المخطَّط إلى منتهاه. لعل ظاهرة التعاون الدفاعي السعودي – التركي – الباكستاني تحْمل إدارة الرئيس ترمب على أن يسلك في مواقفه الخط المستقيم، وعندها سيبدو كلام سفيره ميشال عيسى بمثابة دعوة لبنان.. كل لبنان، الشعب والوطن والرئاسة والبرلمان والحكومة والأحزاب وبالذات أقواها «حزب الله» إلى التفاؤل بخير تسوية لا بد ستحدُث.. إنما ليس قبْل أن تتضح الأمور حسماً بمعنى فوز ترمب في إنتخابات يتواصل برنامجها «الهرمزي» قولاً بعد أقوال تجمع بين التحدي والتناقض، وعندها يبدأ تعويض تسليفات سخية جاءته مِن الدول العربية المتأذية مِن إسرائيل مباشرة ومِن إيران لدواع غلبت موجبات التصدي فيها على أواصر الأخوَّة والجيران ناهيك بما يوصى به الإسلام ونبيه (ص) وهكذا تقدَّمت ضرورات الثأر وعلى قاعدة كما تؤذيني يا صديقي أؤذيك على نحو البيت الشِعري «كما تراني يا جميل أراك».مراجع جغرافية
وبالعودة إلى «الملاكمة الكلامية» التي أفرزت قطَرات دمع مؤلة تسبب بها قرار رئيس الحكومة نوَّاف سلام وآلمت وزير الدفاع رمز الحالة المستعصية التي يعيشها لبنان، يسجَّل للوزير ميشال منسى تقدير هو مِن حيث المضمون نقيض تفاؤل ميشال «الدامع» الآخر (السفير الأميركي).
وللتقدير دواعيه كوْنه وزير الدفاع خاطب في اليوم نفسه أهالي الشهداء في الجيش الذي هو وزيره بما يجعل هذا الجيش يشعر أن مكانته الرمزية في حكومة نوَّاف سلام قوية. وفي تخاطْبه الذي جاء في صيغة بيان وردت ثلاث عبارات لافتة. الأُولى هي «بالأمس مُنع الجيش مِن الكلام لكن دماء شهدائه لم تمنع ما في ضميري من الكلام». والعبارة الثانية «إن الجيش ليس طرَفاً في خصومة ولا ورقة تُستخدم وتُرمى. الجيش هو آخر ما تبقَّى لهذا الوطن مِن ثقة». وأما العبارة الثالثة فهي «لم أستطع أن أرفع صوت الجيش حين كان يجب أن يُسمع فصَمتَ الكلام في مجلس النواب وبقي صوت الشهداء وحْده يعلو في داخلي. لن يكون الصمت قدَراً ولن يكون خذلان الأمس خاتمة الحكاية...». وجاءه الرد – التحية مِن قائد الجيش العماد رودولف هيكل الذي زاره على رأس وفد ضم أعضاء المجلس العسكري وكبار ضباط قيادة الجيش للشكر على موقفه وما جاء في بيانه. وإلتقى قائد الجيش بقوله «لن تُخذل عائلات شهداء «طائفة بين مَن يرتدي البزَّة المرقِّطة» مع الوزير الدامع.
خلاصة القول إن الديمقراطية نهجاً وتعبيراً خرجت سالمة مِن حالة طرفْاها صلاحية الرئيس وإجتهادية الوزير. لعل هذه الحالة إذا حدثت في ظروف لاحقة، تكون مِن دون دمعة أو دموع.
... والله المعين.