7 ربيع الأول 1448

الموافق

الجمعة 21-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "سِعَةُ الحَمْدِ"!
"سِعَةُ الحَمْدِ"!
القاضي م جمال الحلو
2026-08-21
"سِعَةُ الحَمْدِ"!

 


لَمْ أَعْرِفْ عَدُوًّا مُبَاغِتًا كَالْعُمْرِ؛ يَقْتَنِصُ سَاعَاتِنَا عَلَى مَرْأًى مِنْ عُيُونِنَا، وَيَمْضِي بِنَا مِنْ مَحَطَّةٍ إِلَى أُخْرَى، حَتَّى يُهْدِينَا سَاعَةً مُتَمَرِّدَةً عَلَى الْوَقْتِ، وَنِهَايَةً مُؤَجَّلَةً كَالْمَوْتِ. يَبْتَسِمُ فِي وَجْهِ خَسَارَاتِنَا، وَيَتْرُكُنَا أَحْيَانًا عَاجِزِينَ عَنِ الْكَلَامِ، فَتَسْتَسْلِمُ الْكَلِمَاتُ أَمَامَ سَطْوَةِ الصَّمْتِ.

وَمَعَ ذَلِكَ، تَبْقَى الْحَيَاةُ مَاثِلَةً أَمَامَنَا بَيْنَ أَمْرَيْنِ: عُسْرٍ وَيُسْرٍ، وَكِلَاهُمَا نِعْمَةٌ؛ فَفِي الْيُسْرِ يَكُونُ الشُّكْرُ، وَفِي الْعُسْرِ يَكُونُ الصَّبْرُ، وَبَيْنَ الشُّكْرِ وَالصَّبْرِ يَتَشَكَّلُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا تَهُزُّهُ تَقَلُّبَاتُ الْأَيَّامِ، وَلَا تُطْفِئُ فِي دَاخِلِهِ جَذْوَةَ الْأَمَلِ.

وَلَعَلَّ أَجْمَلَ مَا يَمْنَحُنَا الطُّمَأْنِينَةَ أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ مَا نَمُرُّ بِهِ لَيْسَ عَبَثًا، وَأَنَّ وَرَاءَ كُلِّ قَدَرٍ حِكْمَةً، وَإِنْ خَفِيَتْ عَنْ أَبْصَارِنَا. فَمَا دَامَ الْأَمْرُ بِيَدِ اللَّهِ، فَلَيْسَ عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نُحْسِنَ الظَّنَّ بِهِ، وَنَسْتَوْدِعَهُ قُلُوبَنَا وَأَيَّامَنَا، وَنَمْضِيَ فِي الْحَيَاةِ بِيَقِينٍ لَا تَغْلِبُهُ الْعَوَاصِفُ.

قُلْ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ»، حَتَّى يَتَّسِعَ صَدْرُكَ لِلْحَيَاةِ، وَقُلْ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ»؛ فَإِنَّ الْحَمْدَ لَا يُغَيِّرُ مَا حَوْلَكَ فَحَسْبُ، بَلْ يُغَيِّرُ نَظْرَتَكَ إِلَيْهِ، وَيَمْنَحُ قَلْبَكَ قُدْرَةً عَلَى رُؤْيَةِ النِّعْمَةِ حَتَّى فِي مَوَاطِنِ الشِّدَّةِ.

فَكَمْ مِنْ بَابٍ أُغْلِقَ، وَكَانَ إِغْلَاقُهُ رَحْمَةً! وَكَمْ مِنْ أَمْرٍ تَمَنَّيْنَاهُ، ثُمَّ اكْتَشَفْنَا بَعْدَ حِينٍ أَنَّ صَرْفَهُ عَنَّا كَانَ عَيْنَ الْخَيْرِ! وَكَمْ مِنْ تَأْخِيرٍ ظَنَنَّاهُ حِرْمَانًا، فَإِذَا بِهِ إِعْدَادٌ لِشَيْءٍ أَجْمَلَ! نَحْنُ لَا نَرَى مِنَ الْقَدَرِ إِلَّا صَفْحَةً وَاحِدَةً، أَمَّا اللَّهُ فَيَعْلَمُ الْكِتَابَ كُلَّهُ.

وَحِينَ تَضِيقُ بِكَ الْحَيَاةُ، لَا تَجْعَلِ الضِّيقَ آخِرَ الْحِكَايَةِ؛ ارْفَعْ يَدَيْكَ إِلَى السَّمَاءِ، وَتَوَجَّهْ إِلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ، فَهُوَ السَّمِيعُ الْمُجِيبُ. وَإِذَا امْتَلَأَ الْقَلْبُ بِرِضَاهُ، هَانَتْ أَوْجَاعُ الطَّرِيقِ، وَصَارَتْ لِلطُّمَأْنِينَةِ فِي أَعْمَاقِهِ فُسْحَةٌ لَا يُضَيِّقُهَا شَيْءٌ.

اللَّهُمَّ يَا نُورَ هَذَا الْكَوْنِ، وَيَا عَوْنَ مَنْ يَطْلُبُ الْعَوْنَ، اكْتُبْ لِي وَلِأَحِبَّتِي رِضَاكَ، وَأَسْعِدْنِي وَأَسْعِدْهُمْ بِعَفْوِكَ يَوْمَ نَلْقَاكَ، وَاكْفِنِي وَاكْفِهِمْ عَمَّنْ سِوَاكَ. فَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.

اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ذِكْرِكَ، وَلَا تَشْغَلْنَا بِغَيْرِكَ، وَوَفِّقْنَا لِحَمْدِكَ وَشُكْرِكَ، وَأَدِمْ عَلَيْنَا عَفْوَكَ وَسِتْرَكَ.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْأَمْنَ فِي أَوْطَانِنَا، وَالسَّلَامَةَ فِي دِينِنَا، وَالْمَغْفِرَةَ لِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، وَالْبَرَكَةَ فِي أَرْزَاقِنَا، وَالصِّحَّةَ فِي أَجْسَادِنَا، وَالرَّحْمَةَ وَالْمَغْفِرَةَ لِمَنْ سَبَقُونَا إِلَى رَحْمَتِكَ.

اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ وَعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، سُبْحَانَكَ لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ.

وَإِذَا أَرَدْتَ خُلَاصَةَ الطَّرِيقِ، فَاجْعَلِ الْحَمْدَ رَفِيقَكَ فِي كُلِّ حَالٍ؛ احْمَدِ اللَّهَ حِينَ يُعْطِيكَ، وَاحْمَدْهُ حِينَ يَمْنَعُ عَنْكَ، وَاحْمَدْهُ حِينَ يَفْتَحُ لَكَ الْأَبْوَابَ، وَاحْمَدْهُ حِينَ يُغْلِقُهَا، وَاحْمَدْهُ فِي الْعَافِيَةِ كَمَا تَحْمَدُهُ فِي الْبَلَاءِ. فَالْحَمْدُ لَيْسَ كَلِمَةً تُقَالُ حِينَ تَكْتَمِلُ أَمَانِينَا، بَلْ يَقِينٌ يَسْكُنُ الْقَلْبَ حِينَ نُؤْمِنُ أَنَّ اخْتِيَارَ اللَّهِ لَنَا خَيْرٌ مِنْ اخْتِيَارِنَا لِأَنْفُسِنَا.

قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.

فَامْلَأْ قَلْبَكَ بِالْيَقِينِ، وَأَلْقِ عَنْ كَاهِلِكَ أَثْقَالَ الْقَلَقِ، وَامْضِ مُطْمَئِنًّا؛ فَمَا كُتِبَ لَكَ سَيَأْتِيكَ، وَمَا لَمْ يُكْتَبْ لَكَ لَنْ تَنَالَهُ، وَمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ لَكَ لَنْ يُخْطِئَ طَرِيقَهُ إِلَيْكَ.

وَلَيْسَ مَعْنَى الرِّضَا أَنْ تَخْلُوَ الْحَيَاةُ مِنَ الْأَلَمِ، بَلْ أَنْ يَبْقَى فِي قَلْبِكَ مُتَّسَعٌ مِنَ الْإِيمَانِ لَا يَغْلِبُهُ الْأَلَمُ؛ وَأَنْ تَعْرِفَ، مَهْمَا اشْتَدَّتْ عَلَيْكَ الْأَيَّامُ، أَنَّ وَرَاءَ الْغَيْبِ رَبًّا رَحِيمًا، وَأَنَّ بَعْدَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وَأَنَّ أَقْدَارَ اللَّهِ، وَإِنْ أَوْجَعَتْنَا أَحْيَانًا، لَا تَخْلُو مِنْ خَيْرٍ.

فَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا كَانَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا يَكُونُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فِي كُلِّ حَالٍ؛ فَكُلُّ أَقْدَارِ اللَّهِ خَيْرٌ.


القاضي م. جمال الحلو

أخبار مماثلة