غاب المُربي والمُناضل الوطني الفلسطيني فيصل عبد الرحمن العابد "أبو غسان"، في "عاصمة الجنوب" صيدا، يوم الجمعة في 21 آب/أغسطس 2026، عن عمر ناهز 88 عاماً، بعد مسيرة طويلة، أمضاها في العمل التربوي، الوطني والنضالي، حاملاً فلسطين في قلبه ووجدانه، ومُؤمناً بأن التعليم، الثقافة والوعي، كانت دائماً من أهم أسلحة الشعب الفلسطيني، في مُواجهة الاحتلال، ومشاريع التوطين والاقتلاع.
يرحل لكن صوته، ذكرياته، ابتسامته وحرصه على الناس، تبقى حاضرة في وجدان كل من عرفه.
كان من أولئك، الذين لا يحتاجون إلى مُناسبة كي يسألوا عن أحبائهم، كان يُبادر إلى الاتصال بكلمات قليلة، لكنها تحمل الكثير من المحبة والوفاء: "أردت فقط الاطمئنان عليك"، كلمات بسيطة.
هكذا كان العم "أبو غسان"، يُمثل شخصية رجل عاش حياته قريباً من الناس، صادقاً في علاقاته، وفياً لرفاقه ومُخلصاً لقضيته.
كان من أصدقاء الوالد، ورفاق مرحلة فلسطينية ولبنانية، غنية بالنضال والعمل الوطني، خصوصاً في صفوف "حركة القوميين العرب"، التي شكّلت محطة أساسية في تاريخ النضال العربي والفلسطيني، في خمسينيات القرن الماضي.
وقد جمعته في تلك المرحلة، علاقة نضالية وفكرية مع عدد كبير من المُناضلين والمُثقفين، وفي مُقدمتهم شقيقاه الراحلان لطفي وإبراهيم العابد، والراحلون: أحمد اليماني "أبو ماهر"، القاضي جميل بيرم، تيسير قبعة، ناجي العلي، المختار حسين موسى الزين، مصطفى صالح، خضر صالح، سعيد الصالح ونصار الموعد، إلى جانب عدد من الذين ما زالوا يحملون ذاكرة تلك المرحلة - أطال الله بعمرهم - ومنهم: صلاح صلاح، سليم أبو سالم، مهى لطفي، فؤاد الزين وأحمد شريدي وآخرون، الذين كانوا يلتقون في منزل الوالد.
كانت تلك من اللبنات الأولى، التي أسهمت في بناء "حركة القوميين العرب" في مخيم عين الحلوة ومنطقة صيدا، وفي صياغة وعي سياسي ووطني، جعل من فلسطين قضية مركزية، لا مُجرد عنوان سياسي عابر.
لقد آمن أبناء تلك المرحلة، بأن الدفاع عن فلسطين، يبدأ من بناء الإنسان، من نشر الوعي، ومن مُقاومة مُحاولات طمس الهوية الفلسطينية.
وُلد فيصل عبد الرحمن العابد عام 1938، في بلدة صفورية - قضاء الناصرة، في فلسطين.
هناك أبصر النور، ونشأ بين أرضها، بياراتها وحقولها، وتذوّق زيتونها، وعاش طفولته الأولى، في وطن لم يكن يتخيل أن يُقتلع منه يوماً.
لكن النكبة الفلسطينية، في العام 1948، كانت أقسى من أحلام الطفولة.
عاش وهو في مُقتبل العمر، مشاهد التهجير والمجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بحق الفلسطينيين، وشاهد بأم عينيه، كيف اقتُلع الناس من أرضهم وبيوتهم، وكيف تحوّل الوطن إلى ذاكرة محمولة في قلوب اللاجئين.
غادر صفورية طفلاً، لكنه لم يُغادرها في وجدانه، بقيت فلسطين بالنسبة إليه أكثر من أرض، كانت ذاكرة، هوية، وحقاً لا يسقط بالتقادم.
كان النزوح إلى لبنان محطة قاسية في حياته، لكنه لم يكن نهاية الطريق.
حرص الوالد عبد الرحمن العابد، على تعليم أولاده: فيصل، علي، محمد، لطفي وإبراهيم، وتلقي العلم في أفضل المدارس، على الرغم من الظروف المعيشية الصعبة، فنالوا التفوق وأصبحوا من المُبدعين.
من مُخيم عين الحلوة، كانت انطلاقة رحلة العمل النضالي، مع صيدا، المدينة التي احتضنت القضية الفلسطينية واحتضنت اللاجئين، حيث أصبحت موطنه الثاني، وفيها بدأ فصل جديد من حياته، عنوانه العمل، التعليم والنضال.
اختار فيصل العابد مهنة التعليم، فانضم إلى العمل التربوي في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، حيث أمضى سنوات طويلة في تربية أجيال من أبناء شَعبِه.
لم يكن التعليم بالنسبة إليه، وظيفة تُؤدى في ساعات الدوام، بل كان رسالة وطنية.
كان يعرف أن الطفل الفلسطيني الذي يجلس أمامه في الصف، يحمل في ذاكرته قصة بيت هُجّر منه أهله، وأن الحفاظ على الوعي، الهوية والانتماء، جزء من معركة الفلسطيني في مُواجهة الاحتلال.
لهذا لم يكتفِ بتلقين الطلاب الدروس، بل حرص على أن يمنحهم المعرفة، الثقة والوعي، وأن يربط العلم بالمسؤولية الوطنية.
تخرج على يديه عدد كبير من الطلاب، الذين أصبحوا لاحقاً، في مواقع قيادية، مهنية، ثقافية واجتماعية مُختلفة.
ربما كانت أجمل مُكافأة للمُربي فيصل العابد، أن يرى أبناء الأجيال التي علّمها، وقد تحولت إلى شخصيات فاعلة في المُجتمع.
لقد ترك بصمته في عقول طلابه، كما تركها في قلوبهم.
كان "أبو غسان" يُؤمن بأن معركة فلسطين ليست عسكرية فقط، بل هي أيضاً معركة وعي، ذاكرة وهوية.
من هنا جاء تمسكه بالتعليم، وإصراره على أن يبقى الفلسطيني مُتعلماً، مُثقفاً، وقادراً على الدفاع عن حقه بالحجة والمعرفة.
لقد أدرك مُبكراً، مخاطر الاحتلال ومشاريعه، كما أدرك خطورة مشاريع التوطين، التهجير والوطن البديل، ومُحاولات إبعاد اللاجئ الفلسطيني عن جذور، قضيته.
كان يرى أن مُواجهة هذه المشاريع لا تكون بالشعارات وحدها، بل ببناء الإنسان الفلسطيني القادر على التمسك بهويته وحقوقه، وعلى نقل ذاكرة فلسطين من جيل إلى آخر.
عمل بإتقان ومحبة في مهنته، وكان يرى في التعليم سلاحاً أساسياً في معركة الوعي، في مُواجهة الرواية الإسرائيلية، مُحاولات طمس الحقيقة الفلسطينية.
كان فيصل العابد من أبناء الجيل الذي عاش فلسطين قبل النكبة، ثم عاش مرارة اللجوء بعدها، لهذا بقيت صفورية حاضرة في وجدانه حتى آخر أيامه.
كانت فلسطين بالنسبة إليه حاضرة في التفاصيل الصغيرة: في حكايات الطفولة، في رائحة التراب، في الزيتون، في أسماء المدن والبلدات والقرى، في ذكريات الأهل والأقارب، وفي الحديث عن الأرض التي تركها الفلسطيني مُرغماً.
لم يكن ارتباطه بفلسطين ارتباطاً عاطفياً فقط، بل كان التزاماً سياسياً ووطنياً مُستمراً.
رفض كل مشاريع التوطين، وتمسك بحق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه، والعودة، وضرورة بقاء القضية الفلسطينية حية في الوعي العربي والفلسطيني.
كان واحداً من أبناء جيل، لم يفصل بين الثقافة والنضال، ولا بين التعليم والعمل الوطني.
في تلك المرحلة، كان المُثقف، المُربي والمُناضل، يرى نفسه جزءاً من معركة التحرر الوطني، وكانت "حركة القوميين العرب"، إحدى المساحات التي احتضنت هذا النوع من العمل السياسي والفكري.
استطاع "أبو غسان" ورفاقه، المُساهمة في صيدا ومُحيطها، في ترسيخ وعي سياسي، جعل القضية الفلسطينية في مُقدمة الاهتمامات، وربط النضال الفلسطيني بالبعد العربي للقضية.
لم يكن العمل الوطني عنده بحثاً عن موقع أو منصب، بل كان التزاماً أخلاقياً ووطنياً، رافقه طوال حياته.
من يعرف فيصل العابد، يعرف قبل كل شيء صفته الإنسانية، كان حريصاً على السؤال عن الناس، على التواصل مع الأصدقاء والرفاق، وعلى إبقاء العلاقات الإنسانية حية على الرغم من مُرور السنوات.
كان يحمل ذاكرة طويلة عن فلسطين، عن صيدا، عن رفاق النضال وعن الأجيال التي علّمها، وكان يعرف قيمة الوفاء لمن رافقوه الطريق.
لهذا فإن رحيله، ليس فقداناً لعائلة وأصدقاء فقط، بل هو أيضاً خسارة لذاكرة مرحلة كاملة من تاريخ العمل الوطني الفلسطيني في لبنان، ونموذجاً من نماذج التلاحم اللبناني - الفلسطيني في صيدا.
فقد عاش في هذه المدينة، عمل فيها، ربّى أجيالاً من أبنائها، وبقي جزءاً من نسيجها الاجتماعي والوطني.
كان يُؤمن بأن العلاقة اللبنانية - الفلسطينية، تقوم على الاحترام المُتبادل، وعلى وحدة المصير الإنساني في مُواجهة الاحتلال، التهجير والظلم.
صيدا التي استقبلت العائلة الفلسطينية النازحة، احتضنت فيصل طفلاً، ثم ودعته رجلاً أعطى الكثير من أجل فلسطين، والأجيال، الذي آمن بأن العلم هو طريقها إلى المُستقبل.
شُيّع جثمان الراحل فيصل العابد "أبو غسان" إلى مثواه الأخير في "مقبرة صيدا الجديدة" - سيروب، يوم السبت في 22 آب/أغسطس 2026.
وفي المفارقة المُؤثرة، يعود جسده إلى تراب المدينة التي احتضنته طفلاً، بعد أن عاش فيها عقوداً من حياته، وترك فيها أثراً تربوياً، وطنياً وإنسانياً، لا يختصره عمر.
نزح من صفورية طفلاً، وغادر الدنيا رجلاً حمل فلسطين معه حتى النهاية.
لقد رحل "أبو غسان"، لكن فلسطين التي أحبها لن ترحل من ذاكرة من عرفوه.
سيبقى اسمه مُرتبطاً بجيل من المُربين والمُناضلين، الذين آمنوا بأن القضية الفلسطينية تحتاج إلى كل أشكال النضال، ومنها القلم، كما المُقاتل، والمُعلم، والعمل السياسي وبناء الوعي.
العزاء إلى زوجته فريدة فؤاد الحاج إبراهيم، وإلى نجله المُهندس غسان، وإلى بناته: لبنى، لمى، ديانا ومنى، وأفراد عائلته، وإلى رفاقه، مُحبيه وتلامذته، أصدق مشاعر المُواساة في هذا الرحيل الأليم، برجل عزيز لم يعش لنفسه فقط، بل عاش لقضية حملها مُنذ طفولته، لرسالة تربوية آمن بها، لأصدقاء ورفاق، لم ينقطع عن السؤال عنهم، ولوطن ظل يسكنه حتى آخر نبضة.
رحم الله فيصل العابد، المُربي، المُناضل والإنسان.
رحم الله "أبا غسان"، ابن صفورية، ابن صيدا، ابن فلسطين.
غادر الدنيا جسداً، لكنه ترك وراءه سيرة رجل عاش مُتمسكاً بأرضه، ذاكرته وهويته، ومُؤمناً بأن فلسطين لا تُحفظ بالكلام وحده، بل بالعلم، الوعي، الوفاء والعمل.
سلام عليك يا "أبا غسان"، يوم ولدت في صفورية، يوم حملت فلسطين في قلبك، ويوم غادرت صيدا إلى مثواك الأخير.