ماذا لو كان الخطر الأكبر على لبنان ليس الحرب المقبلة، بل أن يعتاد اللبنانيون على أن قرار بلدهم ليس بأيديهم؟ قد يبدو هذا السؤال قاسياً، لكن الواقع أقسى منه. فقد دفع لبنان ثمناً باهظاً بسبب الحروب والانقسامات والوصايات والاغتيالات والأزمات الاقتصادية. ومع ذلك، ما زال يواجه السؤال نفسه: هل يريد أن يكون دولة كاملة السيادة أم أن يبقى ساحة للصراعات والتوازنات الإقليمية؟ هذه ليست مجرد مشكلة سياسية بين فريقين، بل مسألة تتعلق بمعنى الدولة ووجودها. فمن يقرر الحرب والسلم؟ ومن يحقّ له استخدام السلاح؟ ومن يقرر متى يدخل لبنان في مواجهة ومتى يخرج منها؟ إذا لم تكن مؤسسات الدولة وحدها صاحبة هذه القرارات، فسيصبح من الصعب الحديث عن سيادة حقيقية. فإذا اعتاد اللبناني على هذا الواقع، فقد يصبح من الطبيعي بالنسبة إليه أن يكون القرار الإقليمي أقوى من القرار الوطني، أو أن تكون قوة أحد الأطراف أهم من قدرة الدولة على اتخاذ القرار، وإذا استمرّ هذا الوضع لفترة طويلة، فسيتحوّل تدريجياً إلى أمر عادي.
السيادة وتعدد القوى: ربط المفكر الفرنسي جان بودان في «الكتب الستة في الجمهورية» مفهوم السيادة بوجود سلطة عليا داخل الدولة، إذ عرّفها بأنها صاحبة القرار النهائي. وإذا طبّقنا هذه الفكرة على لبنان، تظهر المشكلة بوضوح؛ فكيف يمكن للدولة أن تكون صاحبة القرار إذا كانت القرارات الأساسية موزعة بين المؤسسات الرسمية والقوى المحلية، إضافة إلى القوى الإقليمية؟ قد يعتبر البعض أن هذا السؤال مستفز، لكنه يعكس واقعاً قائماً. من هنا تبرز أهمية اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية ونصّ على أن لبنان وطن حرّ ومستقل وموحّد أرضاً وشعباً ومؤسسات. كما دعا إلى بسط سلطة الدولة على جميع أراضيها، وحلّ الميليشيات وتسليم أسلحتها. لكن النصوص لم تُطبّق بصورة كاملة، فقد بقيت الدولة قائمة بمؤسساتها الرسمية، بينما توزعت القوة الفعلية بين عدّة جهات. فالدولة تكتمل عندما تكون مؤسساتها المرجع الأخير في مسائل الأمن والدفاع وتطبيق القانون. وهذا ما يجعل فكرة ماكس فيبر مرتبطة مباشرة بالحالة اللبنانية، ففي محاضرته «السياسة كمهنة» رأى فيبر أن الدولة الحديثة هي الجهة التي تملك وحدها الحق المشروع في استخدام القوة داخل حدودها. فالاستقرار الناتج عن توازن القوى لا يعني بالضرورة وجود سيادة أو أن الدولة أصبحت قوية. قد تمنع هذه التوازنات اندلاع الحرب لفترة، لكنها لا تبني دولة قادرة على اتخاذ قراراتها بما يتوافق مع مصلحة اللبنانيين.
الجغرافيا والتوازنات: من جهة ثانية، لا يمكن تحميل الداخل اللبناني وحده مسؤولية الأزمة، لأن لبنان ليس معزولاً عن محيطه. فموقعه الجغرافي، وحدوده مع إسرائيل وسوريا، وعلاقته التاريخية بالقضية الفلسطينية، وتأثّره بالصراعات العربية والإقليمية، كل ذلك جعله ساحة لمشاريع تفوق قدرة الدولة على الاحتمال. في كتابه «الليفياثان»، رأى توماس هوبز أن توفير الأمن يتطلّب سلطة مركزية قوية تنهي حالة الصراع. أما في لبنان، فقد تعددت مراكز القوة، وغالباً ما كان ذلك تحت شعار حماية المجتمع أو الدفاع عنه. وقد يمنع التوازن بينها وقوع حرب في بعض المراحل، لكنه لا يؤدي إلى قيام دولة قوية. وهكذا يصبح الاستقرار أقرب إلى هدنة مؤقتة، ويبقى الخوف جزءاً من الحياة السياسية. كذلك، لا تعني السيادة أن يعادي لبنان العالم أو ينعزل عنه. يستطيع لبنان الحفاظ على هويته العربية، وبناء علاقات دولية جيدة، والتعاون مع الدول الأخرى والحصول على الدعم منها، من دون أن يتحوّل إلى أداة في يد أي محور. المطلوب ليس أن يختار لبنان بين الشرق والغرب أو بين محيطه العربي والمجتمع الدولي، بل أن يختار مصلحته أولاً. في كتابه «الجمهورية»، يطرح أفلاطون سؤالاً مهماً حول الغاية من الحكم، وليس فقط حول هوية الحاكم. فإذا كانت السياسة لخدمة المصلحة العامة، فمن الضروري أن نسأل: هل تخدم التوازنات الإقليمية مصلحة لبنان، أم أن لبنان هو الذي يدفع ثمن استمرارها؟
استعادة ثقة المواطن: جاء قرار مجلس الأمن رقم 1701 ليؤكد أهمية بسط سيطرة الدولة اللبنانية على جميع أراضيها وممارسة سيادتها الكاملة. كما نص على ألّا يكون هناك سلاح خارج سلطة الدولة، وربط القرار هذه المبادئ باتفاق الطائف. لذلك، فإن حصر السلاح بيد الدولة ليس فكرة جديدة، بل مطلب موجود منذ سنوات في المرجعيات اللبنانية والدولية. لكن السيادة لا تقتصر على رفع العلَم أو نشر الجيش. فالدولة التي لا تحقّق العدالة، ولا تقدّم الخدمات، ولا تحمي مواطنيها، ستجد صعوبة في كسب ثقة مواطنيها. وهنا يمكن الاستفادة من أفكار جان جاك روسو حول «الإرادة العامة»؛ فالسيادة، في نظره، لا تعني وجود سلطة تفرض نفسها على الناس، بل تعبّر عن إرادتهم ومصلحتهم المشتركة. لذلك، يجب أن تترافق استعادة السيادة مع استعادة ثقة المواطن في الدولة. فلا يمكن مطالبة اللبناني بعدم الاتكال على مرجعيته السياسية أو الحزبية والاعتماد على الدولة إذا كانت عاجزة عن القيام بواجباتها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن بناء دولة قوية عندما يفقد المواطنون ثقتهم في مؤسساتها
لبنان اليوم أمام طريقين: الطريق الأول يقوم على اعتبار التدخلات والتوازنات الخارجية واقعاً لا يمكن تغييره، وعلى الدولة أن تتكيف معه وتحاول تقليل خسائرها. أما الطريق الثاني، الذي يقوده رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة القاضي نواف سلام، فهو أصعب، لكنه أكثر وضوحاً: بناء دولة تمتلك قرارها، وتحصر السلاح في مؤسساتها وفقاً للدستور والقانون، وتتعامل مع الدول الأخرى كدولة مستقلة لا ساحة للصراع. قد يحتاج الطريق الثاني إلى وقت طويل وتفاهم داخلي واسع، لكنه يبقى الطريق الذي يمنح لبنان فرصة للخروج من الأزمة التي تتكرر منذ عقود. فلبنان لا يحتاج فقط إلى توازن إقليمي يمنع سقوطه، بل يحتاج، قبل كل شيء، إلى بناء دولة تمنع الآخرين من استخدامه في صراعاتهم. لذلك، لم يعد السؤال الأساسي، من يملك السلاح؟، أو أي محور هو الأقوى؟، أو من يستطيع فرض شروطه؟، بل أصبح السؤال الأهم: هل يبقى للبنان قرار مستقل إذا كان الآخرون يستطيعون، في كل أزمة، تحديد موعد الحرب وشروط السلام؟
في النهاية، يقف لبنان أمام خيار يتجاوز الصراع بين السيادة والتوازنات الإقليمية. إذ عليه أن يختار بين أن يكون وطناً يقرر أبناؤه مصيره، وأن يكون مجرد مساحة جغرافية يقرر الآخرون ما يحدث فيها. فالقضية ليست خلافاً سياسياً عابراً، بل معركة تتعلق بمستقبل الدولة اللبنانية ووجودها، وهذا يحتاج إلى قرار سياسي شجاع، وتوافق بين الزعماء اللبنانيين. لقد أكد اتفاق الطائف والدستور والقرارات الدولية مبادئ واضحة: دولة واحدة، وسلطة واحدة، وقرار وطني واحد؛ لكن المشكلة ليست في النصوص، بل في عدم تنفيذها. وإذا كان لبنان ما زال يملك هذا القرار، فعلى اللبنانيين إثبات ذلك من خلال التوافق على بناء دولة قوية تحتكم إلى دستورها ومؤسساتها، غير قابلة للزعزعة وللحروب كلما هبّت رياح إقليمية أو دولية.