19 ربيع الأول 1448

الموافق

الأربعاء 02-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم شرعية الواقع بالفاعلية والاعتراف
شرعية الواقع بالفاعلية والاعتراف
هبه بيضون
2026-09-02
شرعية الواقع بالفاعلية والاعتراف

خلال قراءتي لمقال عن الانتخابات، توقفت عند جملة تقول: "قبل التفكير بأيّ انتخابات تشريعية جديدة، يجب التراجع عن قرار "الرئيس" المنتهية ولايته القانونية منذ عام 2010، بحل المجلس التشريعي...الخ".  كان بالإمكان طرح الفكرة دون هذا التعريج، لكن البعض يكّرّر هذه المعلومة المعروفة للجميع، بما فيهم الرئيس نفسه الذي لم ينفِها يوماً. بعض المحلّلين يجترونها باستمرار في الفضائيات والكتابات، وكأنها اكتشاف جديد، بينما تُستخدم غالباً في سياق الطعن بشرعيته القانونية.

لكن الشرعية السياسية لا تقتصر على الشرعية القانونية الداخلية. في الحالة الفلسطينية، هناك خصوصية مفهومة: الاحتلال يضع العراقيل أمام أيّ انتخابات، لأنه معنيّ بإبقاء المؤسسات والرئاسة بلا تجديد للشرعية، لتكتمل لعبته بتقويض الكيان الفلسطيني وإعاقة أيّ خطوة نحو الدولة.

 المؤسف أنّ بعض الأصوات الفلسطينية تردّد هذه الرواية، وكأنها تمنح الاحتلال شهادة نجاح بنزع الشرعية.

إنّ الشرعية السياسية تتداخل مع الشرعية الدولية، التي تُمنح عبر الاعتراف والتعامل العملي مع القادة من قبل الدول والمنظمات الدولية. ما دام المجتمع الدولي يستقبل الرئيس محمود عباس كرئيس للشعب الفلسطيني، ويترقب خطاباته في المحافل الدولية، فهذا اعتراف عملي يمنحه شرعية دولية، تتحول بدورها إلى شرعية سياسية. العالم يدرك أنّ السلطة تحت الاحتلال، وأنّ الاحتلال يسعى لنزع أيّ شرعية داخلية، وبالتالي فإنّ استمرار الاعتراف الدولي هو رد مباشر على هذه المحاولات.

هنا يظهر مفهوم الشرعية الواقعية: حتى لو انتهت الولاية القانونية، فإنّ استمرار المجتمع الدولي بالتعامل مع عباس كرئيس يمنحه شرعية بحكم الواقع، لأنّ العلاقات الدولية تقوم على الاعتراف المتبادل أكثر من النصوص الداخلية. ويكفي أن يُستقبل في الأمم المتحدة أو القمم الدولية بصفته رئيساً، فهذا اعتراف عملي بتمثيله للفلسطينيين، بغض النظر عن الجدل القانوني الداخلي.

كما يدعم هذا الطرح مبدأ الفاعلية الذي طرحه الفقيه القانوني هانز كلسن(Hans Kelsen)، أحد أبرز فقهاء القانون في القرن العشرين وصاحب نظرية "النظرية الخالصة للقانون". ففي كتابه General Theory of Law and State (1999)، يقول: "A legal order exists only if it is by and large effective" (ص 117–119). أيّ أنّ النظام القانوني لا يُعتبر قائماً إلّا إذا كان فعّالاً في مجمله. هذا ما يُعرف بـ شرط الفاعلية (Efficacy Condition)، وهو قاعدة غير مكتوبة في القانون الدولي مفادها أنّ من يمارس السلطة ويمثل شعبه فعلياً يُعتبر صاحب شرعية، حتى لو كانت هناك ثغرات قانونية داخلية.

من هنا يمكن القول إنّ الشرعية الفلسطينية اليوم مركبة: الرئيس يفتقد الشرعية القانونية الداخلية لانتهاء ولايته، لكنه يمتلك الشرعية الدولية عبر الاعتراف المستمر به. هذا يخلق وضعاً مزدوجاً لكنه فعّال سياسياً، قائم على الاستمرارية والرمزية. فمجرد أن يُنظر إليه كرئيس في المحافل الدولية يمنح الفلسطينيين صوتاً رسمياً، ويضفي شرعية رمزية على موقعه، مهما تكرّر الجدل القانوني الداخلي.

جنوبيات
أخبار مماثلة