بينما كان الوسط الصحافي والاعلامي، يترقب صدور قانون جديد للإعلام في لبنان، يعبّر عن تطلعات وأماني اللبنانيين، بقانون عصري يتماشى مع المتغيرات والحداثة العالمية، ووضع أطر تنظيمية وضوابط للمواقع والمنصات الالكترنية المستحدثة، ويركز على إزالة الثغرات والشوائب التي تضمنها قانون الإعلام الساري المفعول منذ العام ١٩٦٢، ولا سيما التوقيف الاحتياطي في جرائم الاعلام واعطاء دور للمحاكم الاستثنائية ولا سيما منها المحكمةالعسكرية في ملاحقة المخالفين، وتكريس مميزات الحرية والديموقراطية التي طبعت الصحافة اللبنانية خلال العقود الماضية، وميزتها عن صحافة الدول المجاورة وغيرها، وابرزت اهمية لبنان ودوره في المنطقة العربية والعالم، فوجيء باقرار المجلس النيابي القانون الجديد للاعلام، بتضمينه المادة١٠٤، التي تنص في الفقرة «ب» منها، بمعاقبةكل من يتعمد اختلاق الاضاليل ونشر اخبار كاذبة ومؤذية بالحبس من ثلاثة اشهر إلى ثلاث سنوات، وبغرامةمالية، تتراوح بين خمسة اضعاف وخمسةعشرة ضعفاً للحد الأدنى للاجور، او بإحدى العقوبتين، بينما تتضمن الفقرة «ج» على تشديد العقوبة إلى الاشغال الشاقة، اذا ادت هذه الافعال إلى نتائج جسيمة من قتل وايذاء وغيرها.
لا شك ان تضمين قانون الإعلام الجديد للمادة ١٠٤ بالبندين « الف» و«ج»، قد غطى على كل ماتضمنه من تعديلات مطلوبة على القانون السابق، وما تضمنه من اسس لقوننة وتنظيم الإعلام الرقمي والمواقع الإلكترونية، واطاح بكل مواصفات الحداثة وحرية الصحافة اللبنانية ومرونتها، بابقاء سيف الملاحقة القضائية مسلطاً فوق رؤوس الصحافة والاعلام، باعطاء حيز واسع امام القضاء، لتفسير غير محدد بضوابط لملاحقة كل من يتهم باختلاق الاضاليل ونشر الاخبار الكاذبة.
ولكن النافر خلال طرح مشروع قانون الإعلام الجديد على المجلس النيابي، الذي كان موضع اعتراض من قبل نقابتي الصحافة والمحررين، ومطالبتهما بالحاح، اجراء تعديلات ملحة وضرورية على المادة ١٠٤، على وجه الخصوص، ليكون معبراً عن المحافظة على الحريات الصحافية، ولايضع قيوداً، تكبلها، ان النواب الحاضرين بالجلسة، بكل انتماءاتهم وتلاوينهم، ولاسيما منهم ما يسمون انفسهم بالتغيريين او الاصلاحيين، وحتى السياديين، تجنبوا طرح اي تعديلات مطلوبة لتحسين القانون وصدر بالصيغة المعترض عليها، وتضمنت وضع قيود على حرية الصحافة لم يكن يتضمنها حتى القانون السابق، ما يطرح سلسلة استفسارات وتساؤلات عن الاهداف المبيتة جراء الصمت المطبق لجميع أعضاء المجلس النيابي تجاهه.
يرسم تمرير قانون الإعلام الجديد بما تضمنه في المادة ١٠٤، بالفقرتين«ب» و«ج»، مؤشرات لتقييد الحريات الصحافية، تحت عناوين ماورد، «باختلاق الاضاليل والاخبار الكاذبة»، بمروحتها الواسعة، ما ينسف كل مزايا الحريات الصحافية في لبنان بكل شوائبها، ويعيد الصحافة في لبنان، خطوات إلى الوراء، بدل التقدم مسافات إلى الأمام، لملاقاة تطور المهنة ومتطلبات التقدم التكنولوجي المتسارع، ما يخشى معه ان ينسحب على تقييد النظام الديمقراطي الذي ينعم به لبنان واستهداف الحريات العامة في المرحلة المقبلة.