18 ربيع الأول 1448

الموافق

الثلاثاء 01-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة بناء الدولة القادرة في القرن الحادي والعشرين
بناء الدولة القادرة في القرن الحادي والعشرين
د. سمير صابر بينو
2026-09-01
بناء الدولة القادرة في القرن الحادي والعشرين

 

في ضوء مشهد دولي متزايد التعقيد، لم يعد السؤال الأهم هو، ما الذي يجعل الدولة غنية أو قوية؟ بل ما الذي يجعلها قادرة على مواصلة التقدّم، والتكيّف مع التحوّلات، ومواجهة الأزمات، واغتنام الفرص، وصناعة مستقبلها؟

فالعالم يتغيّر بوتيرة لا تسمح للدول بالاكتفاء بإدارة شؤونها اليومية أو الاعتماد على مزاياها التقليدية. فالتحوّلات التكنولوجية، والتغيّرات الديموغرافية والاقتصادية والجيوسياسية والمناخية، والمخاطر العابرة للحدود، تعيد تشكيل مفهوم القوة والتنمية ومكانة الدول. وفي هذه البيئة، قد تمتلك دولة ثروات كبيرة، لكنها تظل محدودة القدرة إذا كانت مؤسساتها ضعيفة، أو اقتصادها غير منتج، أو قدرتها على التنفيذ والتكيّف محدودة. وفي المقابل، تستطيع دول محدودة الموارد تحقيق مستويات مرتفعة من التنمية والتنافسية إذا نجحت في بناء الإنسان والمؤسسات، وإنتاج المعرفة، وتوظيف التكنولوجيا، والاستعداد للمستقبل.

ومن هنا يبرز مفهوم الدولة القادرة؛ وهي الدولة التي لا تُقاس بما تمتلكه من موارد فقط، بل بقدرتها على تحويل الموارد إلى نتائج، والمعرفة إلى قرارات، والخطط إلى إنجاز، والأزمات إلى دروس تعزز قدراتها. ولا تُبنى هذه القدرة من خلال إصلاح منفرد أو قطاع واحد، بل من خلال منظومة وطنية متكاملة تجمع القدرات البشرية والمؤسسية والاقتصادية والمعرفية والتنفيذية.

ويبدأ بناء الدولة القادرة من الإنسان القادر والمجتمع المتماسك والشريك في التنمية؛ من خلال تعليم ينمي التفكير والإبداع والتعلم المستمر، ورعاية صحية فعّالة. ولا ينفصل بناء الإنسان عن مجتمع يقوم على المواطنة والثقة واحترام القانون وتكافؤ الفرص والمسؤولية المشتركة. فالشباب والمرأة والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية والبحثية والمجتمع المدني ليسوا مجرد مستفيدين من التنمية، بل شركاء في تحديد الأولويات، وتنفيذ المبادرات، وتعزيز القدرة الوطنية.

كما تحتاج الدولة إلى مؤسسات قادرة تتجاوز الأشخاص، وتقوم على سيادة القانون، ووضوح المسؤوليات، والكفاءة والنزاهة والمساءلة، وتمتلك القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه وقياس نتائجه. ويرتبط بذلك اقتصاد منتج ومتنوّع قادر على خلق القيمة وفرص العمل وتعزيز التنافسية، من خلال دعم الإنتاج والاستثمار، وربط التعليم والبحث العلمي بالاقتصاد وسوق العمل.

وفي الدولة القادرة تصبح المعرفة أساس القرار؛ إذ لا يمكن صنع سياسات جيدة من دون بيانات موثوقة، وتشخيص للمشكلات، وفهم للمتغيّرات. غير أن فهم الحاضر لا يكفي؛ فالدولة تحتاج إلى استشراف ما قد يحدث، ورصد الاتجاهات والفرص والمخاطر، ثم التفكير في الخيارات وتحديد ما تريده والمفاضلة بين البدائل.

وتحتاج هذه الرؤية إلى تخطيط قابل للتنفيذ، وسياسات عامة تستند إلى الأدلة، وتربط الأهداف بالبرامج والموارد والمسؤوليات ومؤشرات الأداء. فالقدرة الحقيقية للدولة تظهر في المسافة بين القرار والنتيجة، والتنفيذ هو الاختبار الفعلي لجودة الاستراتيجيات والسياسات.

وأصبحت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبيانات قدرة وطنية عابرة للقطاعات، وليست مجرد أدوات يتم اقتناؤها. ويتطلب توظيفها بفاعلية بنية رقمية متقدمة، وكفاءات، وبحثاً وتطويراً، وأمناً سيبرانياً، وحوكمة للبيانات، واستخدامها في رفع كفاءة الإدارة والاقتصاد والخدمات وصنع القرار.

وفي عالم تتكرر فيه الأزمات والصدمات، تحتاج الدولة إلى القدرة على الصمود، والمحافظة على وظائفها الأساسية، والتعافي بسرعة، والتعلم من التجربة والتكيّف مع المتغيّرات. فالدولة القادرة ليست التي لا تخطئ، بل التي تكتشف الخطأ مبكراً، وتصحح مسارها، وتتعلّم أسرع، وتتكيّف أفضل.

ولا تعمل هذه القدرات بصورة منفصلة، بل ضمن منظومة وطنية مترابطة تبدأ بفهم الواقع، واستشراف المستقبل، وتحديد الخيارات والأولويات، والتخطيط وصنع السياسات، والتنفيذ، ثم التقييم والتعلم والتحديث.

ومن المهم التمييز بين الدولة المتقدمة والدولة القادرة؛ فالتقدم يعبّر عن مستوى ما حققته الدولة من تنمية، أما القدرة فتعبر عن إمكاناتها في المحافظة على ما تحقق، وتجديد مصادر قوتها، والاستعداد للمستقبل. ولهذا لا ينبغي أن يقتصر مشروع الدولة في القرن الحادي والعشرين على تحقيق التنمية، بل على بناء القدرة على استمرارها وتجديدها وحمايتها في مواجهة التغيّر وعدم اليقين.

وفي عالم تتسارع فيه التحوّلات، لن يكون الفارق الحقيقي بين الدول في حجم ما تمتلكه اليوم، وإنما في قدرتها على أن تفهم أفضل، وترى أبكر، وتختار بذكاء، وتنفذ بكفاءة، وتتعلّم أسرع.

جريدة اللواء
أخبار مماثلة