في الحياة خصومات نظن، ونحن في قلبها، أنها أكبر من كل شيء.
نختلف على مال، أو حق، أو موقف. ترتفع الأصوات، تدخل المحاكم بين الناس، تتراكم الأوراق، ويصبح لكل طرف روايته التي يعتقد أنها الحقيقة كاملة.
وقد يمتد الخلاف سنوات.
لكن الحياة، أحيانًا، تضع أمامنا مشهدًا واحدًا يعيد ترتيب كل شيء.
كان بيننا وبين رجل خلاف كبير وصل إلى ساحات القضاء. شعرنا أننا ظُلمنا، وأن الرجل قسا علينا في خصومته، ومضى كل طرف في طريقه يدافع عن حقه كما يراه.
ثم جاءني قبل أيام خبر لم يكن له علاقة بتجارة ولا مال ولا محاكم.
توفي ابن الرجل.
وفي عزّ مصيبته وانكساره، تواصل مع أحد الزملاء، وقال له كلمات هزّتني حين نقلها إليّ:
“ربنا جازاني… وشو بدكم أنا جاهز.”
توقفت طويلًا أمام هذه العبارة.
رجل فقد ابنه، وفي واحدة من أقسى اللحظات التي يمكن أن يعيشها أب، عاد بذاكرته إلى أشخاص خاصمهم، وشعر ربما أن عليه أن يصالحهم أو يعيد إليهم حقًا يعتقد اليوم أنه أخذه منهم.
لكن السؤال الذي خطر في بالي لم يكن: ماذا سنطلب منه؟
بل: كيف يمكن لإنسان أن يفكر في مطالبته بشيء وهو يحمل ابنه إلى مثواه الأخير؟
قلت للزميل الذي نقل لي كلامه:
عزّه أولًا.
وقل له ألا يقول: “ربنا جازاني”.
فنحن لا نعرف حكمة الله في أقداره، ولا يملك أحد منا أن يحوّل مصائب البشر إلى أحكام إلهية على خصومات الدنيا.
وقل له أيضًا: لا نريد منك شيئًا الآن.
إن احتجت إلينا، فنحن جاهزون.
فالحقوق يمكن أن تنتظر، والقضايا لها محاكمها، والمال يمكن أن يأتي ويذهب، أما قلب أب فقد ابنه فلا يحتمل فوق وجعه وجعًا آخر.
وللحظة سألت نفسي:
ماذا لو انعكست الأدوار؟
ماذا لو كنت أنا صاحب المصيبة وهو صاحب الحق؟
ألن أتمنى أن أجد أمامي إنسانًا قبل أن أجد خصمًا؟
هنا تحديدًا يظهر معدن الإنسان.
ليس عندما يكون ضعيفًا، بل عندما يصبح قويًا وقادرًا على الرد.
وليس عندما يحتاج إلى الرحمة، بل عندما يصبح قادرًا على منحها لمن كان بالأمس خصمه.
فالشماتة سهلة، خصوصًا حين تدور الأيام.
أن تقول لمن ظلمك: “أرأيت ماذا فعل الله بك؟” جملة يستطيع أي غاضب أن يقولها.
لكن الأصعب والأجمل أن تمسك بيد من خاصمك حين يقع، وأن تقول له:
مصيبتك ليست ساحة لخلافنا.
ولا أريد أن أنتصر عليك وأنت منكسر.
لقد علمتني الحياة أن الخصومة لا تعني الكراهية، وأن المطالبة بالحق لا تعني أن نفقد إنسانيتنا، وأننا نستطيع أن نقف أمام بعضنا في المحكمة صباحًا، ثم نقف إلى جانب بعضنا في المصيبة مساءً.
لا تناقض في ذلك.
فالعدل قيمة، والرحمة قيمة.
والمجتمع الذي نريده ليس مجتمعًا يتنازل فيه الناس عن حقوقهم، بل مجتمعًا يعرف فيه الإنسان متى يطالب بحقه، ومتى يصمت احترامًا لوجع إنسان آخر.
ستمر الأيام.
وقد تعود الملفات إلى المحاكم، وقد تُحل القضية بالصلح، وقد يبقى لكل طرف موقفه.
لكن هناك موقفًا أتمنى ألا أنساه:
أن رجلًا كان خصمًا لنا بالأمس، أصبح في لحظة أبًا مكلومًا فقط.
وفي تلك اللحظة، لم تعد أمامي قضية.
كان أمامي إنسان.
رحم الله ابنه، وربط على قلبه وقلب والدته وأهله، وألهمهم الصبر والسلوان.
ولعلنا جميعًا نتعلم قبل أن تعلمنا المصائب:
لا تجعلوا الخصومة تأكل الإنسان الذي بداخلكم؛ فالدنيا أقصر من أن نحمل فيها كل هذا الغضب، والموت أكبر من كل القضايا.