يُروى أنّ الأصمعيّ رأى جاريةً تحمل رمّانًا فوق رأسها في وعاء، فتسلّل إليها رجلٌ، فأخذ رمّانةً منها خلسةً من غير أن تشعر. قال الأصمعيّ: فتبعته حتى مرّ الرجل بمسكين، فأعطاه الرمّانة.
فقال له الأصمعيّ متعجّبًا: «عجبًا لك! سرقتها، وظننتُك جائعًا، فإذا بك تسرقها وتتصدّق بها على مسكين! فهذا أعجب!».
فقال الرجل: «لا يا هذا، إنّي أتاجر مع ربّي».
فردّ عليه الأصمعيّ مستنكرًا: «تتاجر مع ربّك؟ وكيف ذلك؟».
فقال الرجل: «سرقتها، فكُتبت عليّ سيّئة، وتصدّقت بها، فكُتبت لي عشر حسنات، فبقي لي عند ربّي تسع حسنات؛ إذًا أنا أتاجر مع ربّي».
فقال له الأصمعيّ رحمه الله: «سرقتها فكُتبت عليك سيّئة، وتصدّقت بها، فلن يقبلها الله منك؛ لأنّ الله طيّب لا يقبل إلا طيّبًا. فأنت كمن يغسل الثوب المتّسخ بالماء الآسن».
ومهما يكن من أمر نسبة هذه الحكاية، فإنّ معناها يلفت النظر إلى آفةٍ خطيرة تتكرّر في حياة الناس: أن يخطئ الإنسان، ثم يبحث عن تبريرٍ لخطئه، ثم يلبسه ثوب الخير حتى يطمئنّ ضميره.
وسبحان الله! كم في زماننا من أمثال هذا الرجل؛ يفتي لنفسه أو لغيره بغير علم، ويجادل بالباطل وهو يظنّ أنّه على حق، ويبرّر ويدافع حتى يستحلّ لنفسه ما حرّم الله، أو يوهمها أنّه على صواب من أمره.
والمشكلة ليست دائمًا في غياب معرفة الحق، بل قد تكون في رغبة النفس في أن يكون الحق موافقًا لهواها. فإذا أراد المرء أمرًا، بحث عن فتوى تبرّره، وإذا وقع في خطأ، التمس له مخرجًا، وإذا نُصح، أخذ يجادل ليحفظ صورته أمام نفسه وأمام الناس، بدل أن يرجع إلى الحق.
وهنا تكمن خطورة أن يتحوّل الهوى إلى «مفتي» في داخل الإنسان؛ فيصبح المرء لا يسأل: ما الذي يرضي الله؟، بل يسأل: كيف أجد ما يبرّر ما أريد؟
وقد ورد في درر الكلام:
«أجرؤكم على الفتوى أجرؤكم على النار».
وليس أعظم من أن يقف الإنسان مع نفسه وقفة صدق، فيسألها قبل أن يحاسب غيره: هل أنا أطلب الحق فعلًا، أم أطلب ما يوافق رغبتي؟ وهل أبحث عن حكم الله، أم عن مخرجٍ يرضي نفسي؟
فالخير لا يُبنى على باطل، والصدقة لا تمحو حقًّا مغصوبًا، وحسن النية لا يجعل الحرام حلالًا. وليس كل من فعل شيئًا في صورة الخير يكون فعله خيرًا؛ فالغاية الصالحة لا تبرّر الوسيلة الفاسدة.
إنّ أخطر ما يصيب القلب أن يألف الخطأ حتى لا يعود يراه خطأ، ثم يبرّره حتى يراه صوابًا، ثم يدافع عنه حتى يظنّ أنّ دفاعه عن الخطأ دفاعٌ عن الحق. وعندها لا يعود الإنسان بحاجة إلى من يضلّه؛ إذ يصبح هواه دليله، وتبريره حجّته، وثقته بنفسه ستارًا يحجبه عن الحقيقة.
ولذلك، فإنّ من علامات العقل والإيمان أن يملك المرء شجاعة الرجوع حين يتبيّن له خطؤه؛ فليس العيب أن يخطئ الإنسان، وإنما العيب أن يعرف خطأه ثم يكابر، أو أن يصرّ عليه ثم يبحث له عن لباسٍ شرعيّ أو أخلاقيّ يخفي قبحه.
فلنحذر أن نخدع أنفسنا باسم الخير، وأن نرتكب الباطل ثم نبحث له عن بابٍ ندخل منه إلى الطمأنينة. فالله لا يُخدع بتبريراتنا، والحق لا يتغيّر لأننا لا نحبّه، والحرام لا يصبح حلالًا لأننا أحسنّا تسميته.
والتجارة الرابحة مع الله ليست في أن نُحسن الحساب لأنفسنا، فنحوّل السيئات إلى حسنات بأوهامنا، وإنما في أن نصدق معه: نردّ الحقوق إلى أهلها، ونتوب عن الخطأ، ونسأل أهل العلم عمّا نجهله، ونقبل الحق حين يظهر لنا، ولو خالف أهواءنا.
فمن أراد أن يتاجر مع الله حقًّا، فليطهّر يده قبل أن يمدّها بالصدقة، وليطهّر قلبه قبل أن يتصدّر للنصيحة، وليطهّر قصده قبل أن يبحث عن الفتوى؛ فإنّ الله طيّب، ولا يقبل إلا طيّبًا.
والعبرة: ليس كل ما حسبناه ربحًا يكون ربحًا، ولا كل ما زيّنته لنا نفوسنا يكون خيرًا؛ فالنجاة كلّ النجاة أن نزن أعمالنا بميزان الحق، لا بميزان الهوى.
القاضي م. جمال الحلو