ليست إسرائيل وحدها التي تعمل على منع قيام الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. فإلى جانب المشروع الصهيوني الذي يعلن، بوضوح متزايد، رفضه قيام دولة فلسطينية حقيقية، توجد قوى ودول ومنظمات ومشروعات سياسية قد تختلف معه في الخطاب والأهداف المعلنة، لكنها قد تلتقي معه، موضوعياً، في النتيجة: إبقاء الدولة الفلسطينية مؤجلة، منقوصة، مجزأة، أو مستحيلة التحقيق.
وهنا تكمن المسألة التي تستحق قراءة أعمق.
فالسياسة لا تُقاس بالنوايا وحدها، ولا بالشعارات التي ترفعها الأطراف، وإنما بما تفضي إليه سياساتها وممارساتها من نتائج على الأرض. وقد يكون التلاقي في النتائج أحياناً أخطر من التطابق في الشعارات؛ لأن المشروع المعلن يمكن مواجهته وكشفه، بينما قد تتسلل مشاريع أخرى تحت عناوين تبدو إيجابية: السلام، والأمن، والاستقرار، وإعادة الإعمار، والترتيبات الانتقالية، أو الواقعية السياسية.
والسؤال الحاسم هنا ليس: ماذا يقول هؤلاء؟ بل: إلى أين تقود سياساتهم؟
فاليمين الصهيوني المتطرف يطرح مشروعه بصورة مباشرة: الاستيطان، والسيطرة على الأرض، والضم، وتكريس التفوق الإسرائيلي، ومنع قيام دولة فلسطينية ذات سيادة. أما بعض المشاريع الأخرى فقد لا ترفع هذه الشعارات، لكنها تقبل ــ صراحة أو ضمناً ــ بنتائجها عندما تتعامل مع الاحتلال باعتباره واقعاً دائماً ينبغي إدارته، لا حالة استعمارية يجب إنهاؤها.
وهذا هو الفارق بين إدارة الصراع وإنهائه.
إن أي ترتيبات سياسية لا تجعل إنهاء الاحتلال هدفها النهائي، وتستبدل به إدارة السكان والأمن والإعمار، معرضة لأن تتحول من «مرحلة انتقالية» إلى واقع دائم. والتجربة الفلسطينية الطويلة تقدم ما يكفي من الدروس للتحذير من المراحل الانتقالية التي لا تقود إلى نهاية واضحة للاحتلال.
كما أن التعامل مع قطاع غزة باعتباره قضية منفصلة عن الضفة الغربية يمثل خطراً استراتيجياً على المشروع الوطني الفلسطيني. فغزة والضفة الغربية ليستا ملفين سياسيين منفصلين، وإنما جزءان من إقليم الدولة الفلسطينية الواحدة، ووحدتهما ليست مسألة إدارية يمكن إعادة ترتيبها وفق مقتضيات الظروف، بل جزء من وحدة الأرض والشعب والحق في تقرير المصير.
ومن هنا، فإن إعادة إعمار غزة ــ على أهميتها وضرورتها الإنسانية والوطنية ــ يجب ألا تتحول إلى مشروع لإعادة بناء القطاع بمعزل عن الحل السياسي الشامل، أو إلى مدخل لترتيبات دائمة تنتقص من وحدة النظام السياسي والجغرافي الفلسطيني.
فإعادة إعمار الحجر يجب ألا تكون على حساب إعادة بناء المشروع الوطني.
وهناك خطر آخر لا يقل أهمية: أن تتحول «الدولة الفلسطينية» نفسها إلى عنوان سياسي بلا مضمون.
فالاعتراف بالدولة خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده. والدولة التي لا تملك سيادتها على أرضها وحدودها ومواردها وقرارها السياسي لا تحقق جوهر حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
لذلك ينبغي ألا نقع في فخ الاكتفاء بالسؤال: كم دولة اعترفت بفلسطين؟
بل علينا أن نسأل:
أي دولة تعترف بها؟
وعلى أي أرض؟
وبأي حدود؟
وبأي سيادة؟
وبأي عاصمة؟
وبأي علاقة بين غزة والضفة؟
ومتى ينتهي الاحتلال؟
هذه هي الأسئلة التي تكشف جوهر المواقف، بعيداً عن الدبلوماسية اللفظية.
إن أخطر سيناريو للقضية الفلسطينية ليس فقط أن تقول إسرائيل «لا» للدولة الفلسطينية، وإنما أن يصبح العالم مستعداً للحديث عن دولة فلسطينية، بينما تجري على الأرض عملية تجعل قيامها الفعلي مستحيلاً.
دولة في الخطاب، واحتلال في الواقع.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
يمكن أن تتكاثر الاعترافات الدولية، بينما تتآكل الأرض. ويمكن أن تتسع البيانات المؤيدة لحل الدولتين، بينما تتوسع المستوطنات. ويمكن أن تستمر المؤتمرات حول السلام، بينما يستمر تغيير الوقائع الجغرافية والديموغرافية.
وفي هذه الحالة يصبح الاعتراف، على أهميته، معرضاً لأن يتحول من أداة لتحقيق الدولة إلى وسيلة لتخفيف الضغط من أجل تحقيقها.
وهذا ما يجب أن يحذر منه الفلسطينيون.
إن الموقف الوطني الفلسطيني ينبغي أن يقيس كل مبادرة وكل مشروع وكل ترتيب سياسي بمعيار بسيط وواضح:
هل يقربنا من إنهاء الاحتلال وقيام الدولة، أم يؤسس لإدارة الاحتلال بصورة جديدة؟
هل يحافظ على وحدة الضفة وغزة، أم يكرس الفصل بينهما؟
هل يحمي القدس الشرقية باعتبارها عاصمة الدولة الفلسطينية، أم يؤجل قضيتها؟
هل يعيد للفلسطينيين سيادتهم على أرضهم ومواردهم وحدودهم، أم يمنحهم حكماً ذاتياً موسعاً تحت مسميات جديدة؟
هل يقود إلى استقلال فلسطيني حقيقي، أم إلى كيان يعتمد في أمنه واقتصاده وحركته على إرادة الآخرين؟
هذه ليست أسئلة تفصيلية؛ إنها جوهر الصراع على مستقبل فلسطين.
ومن هنا، فإن مصطلح «رديف اليمين الصهيوني» ينبغي أن يُفهم بدقة. فهو لا يعني أن كل قوة تختلف مع الفلسطينيين في الرؤية أو التكتيك هي بالضرورة رديف للصهيونية، ولا يعني أن كل مشروع دولي لا يتبنى الموقف الفلسطيني كاملاً يصبح جزءاً من المشروع الإسرائيلي.
المقصود هو تلك القوى أو السياسات التي تؤدي، عن قصد أو من دون قصد، إلى تثبيت الوقائع التي يريد اليمين الصهيوني تثبيتها: احتلال بلا نهاية، وأرض فلسطينية مجزأة، وسيادة منقوصة، وغموض دائم حول الدولة الفلسطينية.
وهنا يصبح التمييز مهماً بين الاختلاف السياسي المشروع والتواطؤ الموضوعي في النتائج.
فليس المطلوب توزيع صكوك الوطنية أو الخيانة، وإنما حماية المشروع الوطني الفلسطيني من أن يُعاد تعريفه تدريجياً بما يتناسب مع مصالح الآخرين.
لقد آن الأوان لأن ينتقل النقاش الفلسطيني من سؤال «من معنا ومن ضدنا؟» إلى سؤال أكثر نضجاً:
ما المشروع الذي يُطرح؟ وما نتائجه؟ ومن المستفيد منه؟ وإلى أين يقود فلسطين بعد خمس سنوات، وبعد عشر سنوات؟
فالدول لا تُبنى بالوعود، وإنما بالسيادة.
والحقوق لا تُحمى بالبيانات، وإنما بالقدرة على تحويلها إلى واقع.
والسلام لا يتحقق بإدارة الاحتلال، وإنما بإنهائه.
والدولة الفلسطينية لا تكون دولة إذا بقي الاحتلال صاحب الكلمة العليا في أرضها وحدودها وأمنها ومواردها.
لهذا، فإن المعركة اليوم ليست فقط من أجل الاعتراف بفلسطين، وإنما من أجل منع تحويل فلسطين إلى دولة اسمية بلا سيادة، أو كيان مجزأ بلا وحدة جغرافية، أو إدارة سكانية بلا استقلال، أو مرحلة انتقالية بلا نهاية.
إن اليمين الصهيوني يريد إسقاط الدولة الفلسطينية بالقوة والضم والاستيطان.
أما الخطر الآخر فهو أن تسقط الدولة الفلسطينية بالتدرج، وبالترتيبات، وبالبدائل، وبإفراغ مفهومها من مضمونه، حتى يصبح قيامها مستحيلاً من دون أن يعلن أحد صراحة أنه أسقطها.
وهنا تتضح خطورة «الرديف».
فليس كل من يرفع شعار الدولة الفلسطينية يعمل بالضرورة من أجل قيامها.
العبرة ليست في الشعار، وإنما في الطريق الذي يُرسم لفلسطين، وفي النهاية التي يصل إليها هذا الطريق.
ومن ثم، فإن الموقف الفلسطيني الواضح يجب أن يتمسك بثوابت لا تقبل الالتفاف:
دولة فلسطينية واحدة، على كامل الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، عاصمتها القدس الشرقية، ذات سيادة حقيقية، متصلة جغرافياً، وقطاع غزة جزء أصيل منها، وإنهاء الاحتلال شرط لا بديل عنه لتحقيق السلام.
ومن يعمل باتجاه هذه الغاية فهو شريك في صناعة السلام.
أما من يعمل على تعطيلها أو تفريغها أو تجزئتها أو استبدالها بصيغة أخرى، فمهما اختلفت لغته وشعاراته، فإنه يلتقي موضوعياً مع اليمين الصهيوني في النتيجة.
وهذه الحقيقة ينبغي أن تُقال بوضوح، ولكن بوعي ومسؤولية، لأن المعركة القادمة ليست فقط على الاعتراف بفلسطين، بل على مضمون الدولة الفلسطينية نفسها: هل تكون دولة حقيقية أم مجرد اسم؟
وهنا، تحديداً، يُرسم مستقبل فلسطين.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
29/8/2026م