إنّها قصّة مؤثّرة تتناول معنى طاعة الزوج في ما يرضي الله، ويصون المودّة، ويجلب السعادة والطمأنينة إلى البيت، في مقابل ما قد يصيب بعض العلاقات الزوجية من نكدٍ متعمّد، حين يتحوّل الغرور وحبّ التملّك إلى رغبة في الاستئثار بالزوج، وكأنّ محبّته لأهله انتقاصٌ من حقّها، أو كأنّ البرّ بوالدته منافسةٌ لها.
ومن هنا تأتي هذه الحكاية الشعبية بما تحمله من دلالة إنسانية وعبرة جديرة بالتأمل.
يُروى في خوابي الحكايات الإنسانية أنّ أعرابيًّا نحر جزورًا (والجزور هي لحوم الإبل )، فقال لامرأته:
«أطعمي أمّي أطيب اللحم».
فقالت: «أيًّا أُطعمها؟»
قال: «الورك».
فقالت: «التي ظهرت بلحمة، وبطنت بشحمة؟ لا، لعمري، لن أفعل!»
قال: «إذًا، الفخذ».
قالت: «الكثيرة اللحم، الطيّبة المخّ؟ لا، لعمري!»
قال: «أطعميها الكتف».
قالت: «الحاملة اللحم من كلّ مكان؟ لا، لعمري، لن أفعل!»
قال: «فما تطعمينها؟»
قالت: «اللِّحى التي ظهرت بالجلد، وبطنت بالعظم».
فقال لها: «تزوّدي إلى أهلك، فأنت طالق».
إنّه حوار قصير، لكنّه يكشف في ثناياه الكثير من المعاني. فقد استشفّ الزوج من إصرار زوجته على اختيار أردأ ما في الذبيحة لوالدته موقفًا يتجاوز مسألة الطعام إلى موقفٍ من أمّه ومكانتها في نفسه. ولم تكن المشكلة، في ظاهرها، قطعة لحم، وإنّما كانت في ما وراءها من مشاعر ومواقف وإصرار على الانتقاص من حقّ أمّه.
وكان الزوج أمام موقفٍ رأى فيه أنّ برّ والدته، والإحسان إليها، وحفظ مكانتها، لا ينبغي أن يكون موضع مساومة أو نزاع. فاختار ما رآه حقًّا، وإن كان الثمن فراق زوجته.
والعبرة هنا ليست في الطلاق لذاته، ولا في جعل هذه الحكاية قاعدةً تُسقط على كلّ بيتٍ وكلّ خلاف، فالحياة الزوجية أوسع من حادثة، وأعمق من موقف، والبيوت لا تُبنى إلا بالحوار والرحمة والتفاهم. وإنّما العبرة في أن تتحوّل الغيرة أحيانًا إلى خصومة، وأن يتحوّل حبّ التملّك إلى محاولة عزل الإنسان عن أهله وأحبّته، في حين أنّ الزوجة الحكيمة تعرف أنّ احترام أهل زوجها لا ينتقص من مكانتها، كما أنّ برّ الزوج بأمّه لا يعني ظلم زوجته أو إهدار حقّها.
فالزواج ميثاق مودة، لا ساحة صراع على القلوب؛ ومن أدرك أنّ الحبّ الحقيقي لا يُقصي أحدًا، بل يتّسع للجميع، عرف كيف يحفظ أمّه، ويكرم زوجته، ويصون بيته. وما أجمل أن يكون البرّ بابًا للمحبّة، لا سببًا للخصام؛ وأن يكون العقل والرحمة هما الحكم حين تضيق النفوس.
القاضي م. جمال الحلو