(قانونٌ يمرّ فوق رؤوس أصحابه)
في ليلةٍ وُصفت بـ«الثلاثاء الأسود»، أقرّ مجلس النواب اللبناني قانون الإعلام الجديد بصيغةٍ فاجأت نقابتي الصحافة والمحررين معًا، بعدما شاركتا سنواتٍ طويلة في مناقشته وتقديم ملاحظاتهما عليه، لتُقرَّ الصيغة النهائية من دون الأخذ بتعديلات كان قد جرى التوافق عليها مسبقًا.
لم يكن الاعتراض شكليًا، بل كان جوهريًا: قانونٌ يُفترض أنه ينظّم حرية الصحافة، تحوّل، في نظر من يمارسون هذه المهنة كل يوم، إلى أداةٍ قد تضع رقابهم تحت طائلة التوقيف الاحتياطي والسجن والغرامات، عبر مواد وُصفت بأنها من الأخطر، وفي مقدّمها ما يعيد فرض عقوبات سالبة للحرية بحق الصحافيين.
هذا ليس خلافًا على تفصيلٍ تقني في نصٍّ قانوني، بل هو خلافٌ على السؤال الأعمق: من يملك حق الكلام في شأن الصحافة في لبنان؟ أهو المشرّع وحده، أم المشرّع بالحوار مع من يدفعون ثمن هذه المهنة من حريتهم، وأحيانًا من دمائهم؟
نقابتان لا تُختصران بجلسة تصويت
نقابة محرّري الصحافة اللبنانية ونقابة الصحافة ليستا كيانين إداريين استُحدثا بالأمس. فنقابة المحررين تأسست عام 1941 في نادي المهاجرين ببيروت، واستقلت لاحقًا عن مالكي الصحف والمطبوعات، لتصبح الهيئة المعنوية الناطقة باسم محرّري الصحافة في لبنان، بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 72 تاريخ 11/4/1953، ثم قانون المطبوعات الصادر في 14/9/1962.
أما نقابة الصحافة، فتعود جذورها إلى محاولات تنظيمية سبقت الاستقلال، وسط معارضة سلطات الانتداب نفسها لفكرة أن ينظّم الصحافيون أنفسهم.
هذا التاريخ ليس زخرفةً احتفالية تُستحضر في المناسبات، بل هو جزء من الأساس القانوني والأخلاقي الذي يمنح النقابتين صفة الطرف المهني المعني مباشرةً بأي تشريع يمسّ مهنة الصحافة.
وحين يُقرّ قانون بهذا الحجم من دون أن يعكس توافقًا حقيقيًا مع هاتين النقابتين، فإن المسألة تتجاوز الخلاف السياسي العابر، لتلامس أصول العملية التشريعية ومبدأ الشراكة مع أهل المهنة وأصحاب الاختصاص.
ذاكرة الدم لا تُطوى بجرّة قلم
منذ السادس من أيار عام 1916 وحتى اليوم، ظلّت الصحافة اللبنانية تستذكر في كل عام صحافيين سقطوا ثمنًا لحرية الكلمة في لبنان: من عُلّقوا على أعواد المشانق، ومن قضوا اغتيالًا أو خطفًا أو قصفًا.
هذه ليست مبالغةً إنشائية، بل جزء من ذاكرةٍ صحافية ووطنية توثّقها المؤسسات والنقابات في مناسبات حرية الصحافة.
ومن يطالب اليوم بأن يُصاغ قانون الإعلام بمعزل عن أصحاب هذه الذاكرة، إنما يطلب من الصحافة اللبنانية أن تنسى الثمن الباهظ الذي دفعته كي تبقى حرة.
فقانونٌ يتجاهل هذا الإرث، ويُقصي من صاغوه وحملوا تاريخه عن طاولة القرار، لا يكتفي بمخالفة روح الشراكة المهنية، بل يهين، رمزيًا، كل من استُشهد دفاعًا عن حق الناس في المعرفة.
أين يكمن الخطر في النص؟
بحسب ما أعلنته النقابتان، فإن اعتراضهما لا ينصبّ على رفض تحديث التشريع الإعلامي القديم؛ فالحاجة إلى قانون عصري أصبحت محلّ إجماع. وإنما ينصبّ الاعتراض على الصيغة التي أُقرّ بها القانون، وتحديدًا على جملة من النقاط، أبرزها:
- العقوبات السالبة للحرية: عودة إمكانية سجن الصحافيين بدل الاكتفاء بعقوبات مدنية أو مالية متناسبة، وهو ما تعتبره النقابتان تهديدًا مباشرًا لممارسة المهنة.
- توسيع صلاحيات الهيئة الوطنية للإعلام: بما قد يفتح الباب أمام تدخلات تمسّ استقلالية العمل الصحافي.
- إتاحة إنشاء نقابات إعلامية جديدة: وهو بند تخشى النقابتان أن يُستخدم لتفتيت الجسم الصحافي الموحّد على أسس فئوية أو طائفية، بدل حمايته وتقويته.
- غياب سقوف واضحة لتملّك الأجانب في المؤسسات الإعلامية: بما قد يثير مخاوف تتصل بالسيادة الوطنية على القرار الإعلامي.
هذه ليست تفاصيل هامشية؛ إنها من العناصر الأساسية التي تحدد ما إذا كان الصحافي اللبناني سيبقى حرًا في مساءلة السلطة، أم سيمارس مهنته وهو ينظر خلف كتفه خشية الملاحقة القضائية.
لماذا الطعن أمام المجلس الدستوري ضرورة لا خيار؟
حين يُقرّ تشريع يمسّ حرية التعبير وحرية الصحافة بصيغة لا تعكس توافقًا حقيقيًا مع الجسم المهني المعني مباشرةً به، فإن الطعن أمام المجلس الدستوري لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه تعطيلًا للعمل التشريعي، بل باعتباره وسيلةً دستورية لمراجعة النص وتصحيح مساره عند الاقتضاء.
فالدستور اللبناني يكفل حرية إبداء الرأي وحرية الصحافة ضمن الإطار الذي يحدده القانون، وأي تشريع يتصل بهذه الحريات يجب أن يراعي التوازن بين تنظيم المهنة وصون الحقوق والحريات العامة.
والطعن الدستوري، في هذا السياق، وسيلة مشروعة ومتاحة، وهي الطريق الذي أعلنت النقابتان اتجاههما إليه، من خلال تكليف محاميهما إعداد دراسة قانونية شاملة، بالتعاون مع حقوقيين، تمهيدًا لتقديم طعن رسمي عبر عدد من النواب.
وهذا المسار يستحق دعم كل من يؤمن بأن القوانين التي تمسّ الحريات العامة ينبغي أن تُصاغ بالحوار لا بالمفاجأة، وأن تخضع للرقابة الدستورية حين يثار جدّيًا احتمال تعارضها مع أحكام الدستور.
صفوة القول: نداء إلى كل صاحب كلمة حرّة
هذا الملف ليس شأن الصحافيين وحدهم.
فكل مواطن يقرأ خبرًا، أو يتابع تحقيقًا استقصائيًا، أو يستمع إلى رأي مخالف على شاشة أو في صحيفة، هو طرف مباشر في هذه المسألة. وحين يُقيّد الصحافي بعقوبة سالبة للحرية بسبب مقال أو تحقيق، فإن المتضرر في نهاية المطاف ليس الصحافي وحده، بل حق الناس في المعرفة وحق المجتمع في الاطلاع والمساءلة.
إن الدفاع عن استقلالية نقابتي الصحافة والمحررين، وعن حقهما في أن تكونا شريكين أساسيين في صياغة أي تشريع يمسّ مهنتهما، وعن ذاكرة شهداء الكلمة الذين سبقونا، ليس موقفًا فئويًا، بل هو الحد الأدنى المطلوب من كل من يعتز بحرية الرأي باعتبارها قيمةً لا يجوز التفريط بها.
والطعن أمام المجلس الدستوري، في هذا السياق، ليس معركة نقابتين، بل هو اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة اللبنانية بحرية الصحافة، باعتبارها ركيزةً لا غنى عنها لأي نظام ديمقراطي حقيقي.
القاضي م. جمال الحلو