دخل التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من المواجهة العسكرية والاقتصادية، بالتزامن مع استئناف الضربات المتبادلة، فيما أظهرت بيانات شحن أن متوسط عدد سفن السلع الأولية التي عبرت مضيق هرمز بلغ 10 سفن يومياً خلال الأيام العشرة الماضية، وهو أدنى مستوى منذ أيار.
وأشارت بيانات شركة "كبلر" إلى أن المتوسط المتحرك لعشرة أيام بلغ 10 سفن يوم الأحد، مقارنة بأكثر من 15 سفينة يوم الجمعة ونحو 13 سفينة يوم السبت.
وتتزايد الضغوط على الاقتصاد الإيراني بفعل العقوبات والحصار الأميركي على صادرات النفط. وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن التقلبات الحادة في سعر العملة والتضخم والبطالة وإدارة الأسواق باتت من أبرز التحديات، فيما أعلنت وزارة الاقتصاد تكثيف جهودها لمعالجة التداعيات الناجمة عن الحرب.
ويأتي ذلك بعد ستة أشهر على الضربات الأميركية - الإسرائيلية على إيران، في وقت تبدو فيه الحرب عالقة في حالة من الجمود، مع تعثر المساعي الدبلوماسية وانهيار اتفاق مبدئي لوقف إطلاق النار واستمرار تبادل الضربات والتهديدات بين الجانبين.
وفي لبنان، خرقت "إسرائيل" القواعد الميدانية غير المعلنة التي أرساها اتفاق وقف إطلاق النار في حزيران الماضي، مع استئناف إنذارات الإخلاء في الجنوب وشن غارات جوية استهدفت مرافق حيوية في مدينة النبطية، ما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى.
ونددت الدولة اللبنانية بالتصعيد، إذ وصف الرئيس جوزيف عون ما جرى بأنه "تصعيد خطير"، فيما اعتبر رئيس مجلس النواب نبيه بري أن "إسرائيل" تحوّل الجنوب إلى "صندوق اقتراع بالدم".
وجاء التصعيد بعد ثلاثة أيام على إعلان الجيش الإسرائيلي السيطرة على مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية، فيما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن استعداد الجيش لتفجير نفقين في المرتفع، بعد استقدام آليات هندسية ومتفجرات لتنفيذ عملية النسف.
وفي السياق، يضغط لبنان باتجاه وقف العدوان الإسرائيلي على الجنوب، باعتبار ذلك مقدمة للانتقال إلى التفاوض حول الخطوات المقبلة، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، بالتزامن مع ربط المسار التفاوضي بالمطالب الدولية، ولا سيما ملف حصرية السلاح.
ووفق صحيفة "النهار"، أثارت الغارات الإسرائيلية العنيفة على منطقة النبطية مزيداً من الضبابية حول الجولة التفاوضية المقبلة، التي لا يزال موعدها عالقاً بين التكهنات والتقديرات، كما رفعت المخاوف من التطورات الميدانية بعد السيطرة الإسرائيلية على تلال علي الطاهر.
وأشارت الصحيفة إلى أن الموجتين التصعيديتين يومي الجمعة والأحد بدتا أقرب إلى اعتماد سياسة الأرض المحروقة تمهيداً لاستكمال السيطرة على أنفاق علي الطاهر، معتبرة أن الحديث عن تقليص المنطقة الأمنية وحصرها بعمق أربعة كيلومترات لم يؤخذ على محمل الجد، في ظل التصعيد المتواصل الذي لا يوحي إلا بإمكان توسيع المنطقة الأمنية.
أما صحيفة "الأخبار"، فأشارت إلى تطور هو الأول من نوعه منذ وقف إطلاق النار الشكلي في حزيران الماضي، يتمثل بنقل إعلام العدو عن مصادر عسكرية وأمنية أن نقاشاً يجري حول إعادة انتشار قوات الاحتلال في الجنوب، بما يشمل تقليص عديدها والانسحاب إلى مواقع ثابتة داخل حزام أمني جديد أقرب إلى الحدود.
وبحسب الصحيفة، يتجه العدو إلى إعادة تنظيم احتلاله للجنوب وليس إلى إنهائه، إذ يواصل عمليات التدمير والجرف بكثافة، خصوصاً في القرى المحاذية للمناطق المحررة، في وقت لا يبدو أنه يريد العودة إلى الحدود الدولية، بل إعادة تركيز انتشاره ضمن شريط أضيق وأكثر قرباً منها.
وتحدثت "الأخبار" عن ما يسمى "الخط الرمادي"، باعتباره مقترحاً لإعادة تعريف الجغرافيا الأمنية في جنوب لبنان، مشيرة إلى أن الخط الأزرق هو خط الانسحاب الذي أقرته الأمم المتحدة، بينما يمثل "الخط الرمادي" خطاً عسكرياً جديداً داخل الأراضي اللبنانية لا يملك بحد ذاته قيمة قانونية.
وفي المقابل، تقدم الرواية الإسرائيلية المواقع الجديدة باعتبارها قواعد لتنفيذ العمليات عند الحاجة، بما يعني أن الانسحاب من موقع لا يساوي التخلي عنه عملياتياً، بل الانتقال من وجود بري ثابت إلى القدرة على التدخل عند الضرورة.
ولا تزال خطة "الخط الرمادي" موضع نقاش ولم تحصل على موافقة المستوى السياسي الإسرائيلي، فيما يرتبط مسارها بالتطورات الميدانية في علي الطاهر، وقرار المستوى السياسي بشأن تدمير الأنفاق، إضافة إلى المسار التفاوضي المرتقب في روما الأسبوع المقبل.
وكتبت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية عبر حسابها على "أكس": "هاجم الجيش الإسرائيلي مخربين وبنى تحتية تابعة لتنظيم حزب الله الإرهابي في جنوب لبنان، وفي إطار الغارات، هاجم سلاح الجو مستودعات وسائل قتالية ومباني إرهابية كانت مخصصة لاستخدام مخربي تنظيم حزب الله الإرهابي لتخطيط وتوجيه مخططات إرهابية في المنطقة الأمنية".
وأضافت: "بالإضافة إلى ذلك، هاجم الجيش مقر قيادة تابعاً لتنظيم حزب الله الإرهابي، أُقيم داخل مبنى كان يُستخدم سابقاً كمستشفى في منطقة بجنوب لبنان".
ومساءً، استهدفت غارة سيارة في النبطية التحتا، ما أدى إلى سقوط ثلاث ضحايا، إضافة إلى أربعة ضحايا وعشرين جريحاً سقطوا في الغارات السابقة.
واعتبر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن السيطرة على تلة علي الطاهر تمثل ختام إحكام القبضة على المنطقة الأمنية جنوب لبنان، مجدداً التأكيد "أننا لن ننسحب من المنطقة الأمنية بلبنان حتى نزع سلاح حزب الله في جميع أنحاء لبنان"، مشيراً إلى أن "الجيش الإسرائيلي سيستكمل تحييد الأنفاق وتدميرها وسيتمركز وفق ترتيب تكتيكي ملائم".
وقال الرئيس جوزيف عون في بيان: "إن هذا الاستهداف يشكل تصعيداً خطيراً يتجاوز حدود الخروقات المتكررة لاتفاق وقف الأعمال العدائية واتفاق الإطار، ليطول هذه المرة مؤسسات الدولة اللبنانية ومرافقها الخدماتية التي تُعنى بشؤون المواطنين ومصالحهم الحياتية، إضافة إلى مستشفى ومراكز صحية".
وأشار عون إلى أن استهداف مبنى وزارة المالية، بعد استهداف مركز أمن الدولة الذي سبق أن أدى إلى سقوط شهداء، "يكشف نمطاً متمادياً من الاعتداءات يتخطى الأهداف العسكرية المزعومة إلى إدارات مدنية بحتة ومراكز صحية، بما يعكس نية واضحة لضرب استمرارية عمل المؤسسات اللبنانية، وتعطيل مصالح الناس اليومية".
وحمّل عون الجانب الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن التصعيد المستمر، مطالباً الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي بالتحرك العاجل لوقف هذه الخروقات ومحاسبة مرتكبيها، مؤكداً أن لبنان، رغم الاعتداءات، ماضٍ في التزامه بما يصون سيادته واستقرار جنوبه وسلامة مواطنيه.
بدوره، أكد رئيس مجلس النواب نبيه بري أن "سفك إسرائيل دماء المدنيين من أطفال ونساء وآمنين، ومواصلة حرب الإبادة وتدمير المنازل والقرى، هي جرائم في طبيعتها وحجمها ترقى إلى جرائم إرهاب الدولة"، معتبراً أنها تدل على أن "إسرائيل" لم تلتزم بأي صيغة من صيغ وقف إطلاق النار، وأنها متفلتة من القواعد والاتفاقيات والتفاهمات.
وقال بري إن "إسرائيل" ماضية في "تحويل الجنوب وأهله وممتلكاتهم إلى صندوق اقتراع بالدم"، مؤكداً أن ما يحصل في الجنوب "مسؤولية دولية تستدعي تدخلاً عاجلاً لوقف الحرب على لبنان وجنوبه"، وكذلك "مسؤولية وطنية تستوجب من كل الأطراف الوقوف إلى جانب الجنوب، واعتبار قضيته قضية كل اللبنانيين، والدفاع عنه دفاعاً عن لبنان".