25 ربيع الأول 1448

الموافق

الثلاثاء 08-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم غزة بعد الحرب: إعمارٌ مؤجَّل أم تدميرٌ مُدار؟
غزة بعد الحرب: إعمارٌ مؤجَّل أم تدميرٌ مُدار؟
د. عبد الرحيم جاموس
2026-09-08
غزة بعد الحرب: إعمارٌ مؤجَّل أم تدميرٌ مُدار؟

 

تثير التصريحات الأخيرة لنكولاي ميلادينوف حول غزة مفارقة سياسية صارخة تستحق التوقف عندها، لا باعتبارها مجرد تناقض في التصريحات، وإنما باعتبارها كاشفة لطبيعة المقاربة الدولية لما يسمى «اليوم التالي» في قطاع غزة.

يقول ميلادينوف إن هناك التزامات من دول عدة للمساهمة في إعادة إعمار غزة، وإنه «لا بد من التحرك أسرع»، لكنه في الوقت نفسه يقر بأننا «بعيدون جدًا عن البدء في عملية إعادة الإعمار»، ويحذر من أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ستكون له تداعيات إنسانية خطيرة.

وهنا يفرض السؤال نفسه:

كيف يمكن أن يبدأ إعمار غزة، بينما أسباب تدميرها لم تتوقف؟

المسألة ليست نقصًا في الأموال، ولا غيابًا في التعهدات الدولية، ولا عجزًا تقنيًا عن إعادة بناء البيوت والمستشفيات والمدارس والبنية التحتية. المسألة سياسية في جوهرها: من يوقف التدمير؟ ومن يضمن ألا يُعاد تدمير ما سيُبنى؟

فإذا كانت العمليات العسكرية مستمرة، وإذا كان الاحتلال يحتفظ بالقدرة على ضرب القطاع والتحكم في مداخله ومخارجه ومواد إعادة البناء، فإن الحديث عن الإعمار يصبح أقرب إلى إدارة آثار الحرب منه إلى إنهاء أسبابها.

وهنا تكمن المفارقة الأخطر.

قد يتحول المسار إلى دورة متكررة:

تدمير ← تعهدات دولية ← إعمار ← تدمير جديد ← مؤتمرات وتعهدات جديدة.

وعندها لا يعود الإعمار مشروعًا للخروج من الحرب، بل يصبح جزءًا من إدارة الحرب وآثارها.

وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بوضوح على المجتمع الدولي: هل المطلوب إعادة بناء غزة، أم إعادة إنتاج قابلية تدميرها؟

إن إعمار غزة لا يمكن أن يكون مشروعًا هندسيًا منفصلًا عن السياسة. فالبيت الذي يُبنى بلا ضمانات سياسية وأمنية لحمايته ليس سوى بيت مؤجل الهدم، والمستشفى الذي يعاد تشييده دون إنهاء مسببات استهداف القطاع ليس ضمانة للحياة، بل استثمارًا في إعادة إنتاج الخسارة.

ومن هنا، فإن اختزال قضية غزة في المساعدات والإعمار وإدارة السكان، يفرغ القضية الفلسطينية من مضمونها السياسي والوطني، ويحاول تحويل شعب واقع تحت الاحتلال إلى مجرد مجتمع منكوب يحتاج إلى الإغاثة.

غزة ليست كارثة طبيعية.

غزة جزء من الأرض الفلسطينية، وما جرى فيها ليس زلزالًا أو إعصارًا، بل نتيجة مباشرة لصراع سياسي وعسكري ممتد ولواقع احتلال لم ينتهِ.

لذلك لا يمكن فصل إعادة إعمار غزة عن إنهاء الاحتلال، ولا فصل إعادة بناء القطاع عن إعادة بناء وحدة النظام السياسي الفلسطيني.

وهنا تظهر قضية «اليوم التالي».

فاليوم التالي لا ينبغي أن يعني فقط: من سيدير غزة؟ ومن سيدفع تكاليف إعادة إعمارها؟ ومن يملك الأمن والمعابر والقرار الإداري؟

السؤال الأعمق هو:

كيف تعود غزة إلى موقعها الطبيعي في المشروع الوطني الفلسطيني، بدل أن تتحول عملية إعادة إعمارها إلى وسيلة لترسيخ فصلها عن الضفة الغربية والقدس؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الحرب هو أن تنجح الأطراف الدولية والإقليمية في إعادة بناء الأبنية، بينما تفشل في إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية.

فغزة لا تحتاج إلى إدارة إنسانية دائمة، وإنما إلى أفق سياسي يعيد وصلها بالضفة الغربية والقدس الشرقية، ويعيد الاعتبار للتمثيل الوطني الفلسطيني الموحد، ويضع إعادة الإعمار في إطار مشروع وطني لا في إطار ترتيبات أمنية وإدارية مؤقتة.

ومن هنا أيضًا تقع مسؤولية فلسطينية لا يجوز تجاهلها.

فإنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات، وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الوطني الجامع، وتجديد الشرعيات السياسية والمؤسساتية عبر المشاركة الشعبية والانتخابات حيثما أمكن، ليست ترفًا سياسيًا. إنها شروط أساسية لمنع تحويل «اليوم التالي» إلى مشروع لإدارة الانقسام بدل إنهائه.

لكن المسؤولية الفلسطينية لا تعفي المجتمع الدولي من مسؤوليته.

فالدول التي تعلن استعدادها لتمويل الإعمار مطالبة بأكثر من تقديم الأموال. عليها أن تساهم في توفير البيئة السياسية والقانونية والأمنية التي تجعل الإعمار قابلًا للحياة، وأن تضغط لوقف العمليات العسكرية، وضمان حماية المدنيين، وتأمين دخول مواد الإعمار، وتوفير ضمانات تمنع إعادة تدمير ما سيتم بناؤه.

أما أن تُجمع الأموال لإعادة البناء، بينما تظل القدرة على التدمير قائمة، فذلك يعني عمليًا تمويل دورة لا تنتهي من الخراب.

ولذلك فإن الاختبار الحقيقي لأي مبادرة دولية بشأن غزة ليس حجم الأموال المرصودة، ولا عدد المشاريع المعلنة، ولا عدد المؤتمرات التي ستعقد لإعادة الإعمار.

الاختبار الحقيقي هو:

هل تستطيع هذه المبادرة أن تمنع تكرار الحرب؟

إذا لم تستطع، فإنها لم تعالج المشكلة، وإنما عالجت بعض نتائجها.

إن غزة لا تحتاج إلى «إعمار» فقط؛ إنها تحتاج إلى حماية سياسية وقانونية وإنسانية تسبق الإعمار وتصاحبه وتضمن استمراره.

والترتيب الصحيح ينبغي أن يكون واضحًا:

إنهاء الحرب، ثم حماية غزة؛
حماية غزة، ثم إعمارها؛
إعمار غزة، ضمن وحدة فلسطين؛
ووحدة فلسطين، ضمن مسار سياسي ينهي الاحتلال ويحقق الاستقلال.

أما أن نبني غزة لكي نعود إلى نقطة الصفر في الحرب القادمة، فذلك ليس إعمارًا.

إنه إعادة تمويل للدمار القادم.

ويبقى السؤال الذي لا ينبغي للمجتمع الدولي أن يهرب منه:

متى يتوقف تدمير غزة؟ ومن يضمن ألا يبدأ من جديد؟

د. عبد الرحيم جاموس
8/9/2026

أخبار مماثلة