منذ أن انتهت الحرب، لم تستقرّ النبطية ومنطقتها. بقيت تتنفس الغارات والتفجيرات، وتعيش على إيقاع موجات تصعيد تهزّ المنطقة، تارةً في قرى تقع داخل خطوط النار، وطوراً في بلدات يُفترض أنها خارج سياق الاستهداف.
كان أسبوع النبطية قاسياً. غارات ومجازر امتدت من عربصاليم إلى النبطية والنبطية الفوقا. استهدافٌ للأهالي، كما في عربصاليم، وللتراث والهوية في النبطية، ولصرح صحي شكّل جزءاً من ذاكرة النبطية الفوقا: مستشفى غندور.
عربصاليم: عرائس وشهداء
حزينة هي عربصاليم. لم تكد تلتقط أنفاسها من الغارة التي خطفت عروسها سجى شرارة، حتى استفاقت على مجزرة جديدة طالت سيدتين من أبنائها، إسراء بهجة وبسمة حسن.
سيدتان أضيفتا إلى لائحة الشهادة في البلدة، فيما يقول مختار عربصاليم حسن حنجول إنَّ الجمعيات المعنية بحقوق المرأة لم تصدر، بحسب علمه، موقفاً واحداً مما جرى.
يقول حنجول: "سيدتان اغتالهما العدو الإسرائيلي على فراش نومهما، قتل كل أحلامهما من دون إنذار. لم نسمع صوتًا واحدًا لجمعية تُعنى بحقوق الإنسان تخرج لتدافع عن حقهما".
في منزل حسين حنجول في عربصاليم، جاءت الضربة من دون إنذار. وُجّهت الصواريخ إلى المنزل، فيما تلقى منزل آخر إنذاراً بالإخلاء. أطفأت الغارة حياة أفراد من العائلة، وفتحت، وفق حنجول، سؤالاً عن الجهة التي تحمي المدنيين داخل منازلهم، وما إذا كان استهداف البيوت المدنية قد صار أمراً مباحاً.
كان ذلك الاستهداف الرابع لعربصاليم في أقل من أسبوعين. ثلاث سيدات استشهدن، فيما بقي السؤال يتردد في البلدة: "أين الجمعيات النسوية من رفع الصوت؟"، يقول علي حسن، شقيق بسمة حسن.
عند حدود صلاة الفجر، وقفت بسمة حسن، كما إسراء بهجة، وأفراد العائلة لأداء الصلاة. لم يخطر ببالها أن تكون تلك الصلاة الأخيرة. الغارة التي استهدفت بناية عائلة آل حنجول لم تدمر المبنى وحده، هي أصابت حياة عائلة بأكملها. لم يحمل أفرادها السلاح، حملوا الدعاء في صلاتهم.
يقول علي حسن: "كانت شقيقتي مع عائلتها في منزلهم، وأولادها كانوا نياماً على أسرّتهم، وليسوا على الجبهة. كانوا يحملون الأمل بالغد، وليس سلاحًا كما زعم العدو الإسرائيلي". وبحرقة يتحدث حسن عن المجزرة: "بسيمة وإسراء والعائلة كلها كانوا في منزلهم. العدو هدّد منزلاً فارغاً، وقصف منزلاً يحوي أطفالاً ونساءً وأملاً بالغد. لم نسمع صوتاً واحداً يدين ما حصل، أو يدين جريمة ارتُكبت بحق مدنيين عُزّل في منزلهم". في الغارة، استشهدت بسمة وإسراء، فيما أُصيب الزوجان وأولاد بسمة الأربعة بجروح متفاوتة.
مجزرة محتملة
عربصاليم، كما جبشيت، شيّعت عروسَيها. ومن حسن رسالة إلى الحكومة اللبنانية: "انظري إلى أهل الجنوب ولو قليلاً". ورغم الجرح، يرفض حسن وأبناء عربصاليم ترك البلدة. يقول: "الأرض والمنازل لنا، ولن نتخلى عنها. الجرح كبير، ولكننا ثابتون". لكن الغارات دفعت كثيراً من سكان البلدة إلى النزوح، كما فرغت النبطية من سكانها بعد غارات الصباح.
استهداف الحجر والذاكرة
لم تكن النبطية بعيدة عن التصعيد. فرغت شوارعها من سكانها بعد غارات الصباح، وتركت الضربات المدينة أمام مشهد جديد من الدمار والقلق. في حي الراهبات، دُمّر أحد أقدم منازلها التراثية، منزل الطبيب عدنان الشريف، الذي يتجاوز عمره 150 عاماً. كان المنزل، قبل الحرب، مطعماً تراثياً يحكي جزءاً من هوية حاضرة جبل عامل.
يرى رئيس بلدية النبطية عباس فخر الدين أن ما تتعرض له المدينة يتجاوز تدمير الأبنية، إلى استهداف تاريخها وجغرافيتها وتراثها. يقول فخر الدين: "يحاول العدو بمختلف الوسائل أن يمحو ذاكرة هذه المدينة التراثية من وجدان الناس، ومن عقول أهلها وذاكرتهم".
ويضيف: "يريد العدو من خلال هذه الرسالة أن يجعل من مدينة النبطية ومحيطها مدينة خالية من الدولة، ومن دوائرها ومؤسساتها، ومن أهلها، كما فعل في القرى التي حاول الدخول إليها وقام بتدميرها".
لكن، بالنسبة إليه، "هذه المدينة ستبقى شامخة، شموخ الأرض في لبنان. ستبقى صامدة، ولن تتنازل عن دورها وموقعها في هذا المحيط". ويؤكد: "إن شاء الله، سنبقى في هذه المدينة صامدين حتى آخر لحظة من حياتنا".
في حي الراهبات، تبدّل حال الأهالي. ركام ودمار، في مقابل تمسّك بالأرض. خرج محمد شام من بين ركام منزله. يقول: "نجونا بإعجوبة. انهار سقف المنزل على جسدي النحيل، وها أنا أجلس على الركام".
بين محمد ومنزله علاقة قديمة. لم يغادره حتى في جولات الحرب السابقة، وبقي صامداً رغم الخطر. لكن الغارة دمرت أيضاً منزل جده القديم.
يقول: "استهدفوا منزل جدي القديم. الإسرائيلي يسعى إلى طمس الهوية، يريد أن يحولنا إلى شعب بلا تاريخ ولا حضارة، ولكنه سيفشل". كان محمد مع شقيقه التوأم في المنزل لحظة الغارة. يقول: "لم أستوعب ما حصل، وكأن زلزالًا وقع".
أصيب بجروح طفيفة، لكن آثار الصدمة تبدو أكبر من الإصابة: "دمروا المنزل، ودمروا الحي، ودمروا حياتنا. كل ما حولنا تبدل وتغيرت ملامحه. لا أعرف ما حصل، المؤكد أننا في كابوس". وعلى عتبة دارها القديمة، جلست الحاجة فاطمة تدخن سيجارتها، محاولة استيعاب ما جرى. تقول: "حجارة البيت العتيق سقطت في حديقة المنزل، والنوافذ تكسرت في الدار. كُتبت لنا حياة جديدة، هذا ما أعرفه".
تعيش النبطية حالة من عدم الاستقرار. الاستهدافات التي تطال المدنيين في منازلهم، تحت مسمى "استهداف بنى عسكرية"، تزيد القلق لدى من بقي فيها. يقول حسين، أحد سكان حي الراهبات: "تراثنا وأمننا باتا يشكلان قلقاً للعدو، لذا يريد تدميرهما، ولكننا سنبقى هنا". في طرقات النبطية الفارغة، بات الخوف من موجة تصعيد جديدة جزءاً من الحياة اليومية.
غندور: مستشفى الذاكرة
عند بوابة النبطية الفوقا، استهدفت مسيّرات دراجتين ناريتين، فيما وقف الجيش اللبناني قرب مدخل البلدة. وعلى بعد أمتار منه يقع مستشفى غندور، الذي تأسس في ثمانينيات القرن الماضي. حرص الدكتور علي غندور، حينها، على أن يكون للنبطية الفوقا صرح طبي يليق بأهلها وأهل المنطقة.
على مدى عقود، بقي المستشفى يقدم خدماته للأهالي، ويتحول إلى مركز إيواء خلال الحروب. وحتى بعد تضرره في حرب 2024، واصل استقبال أبناء النبطية الفوقا الذين رفضوا مغادرة البلدة. يتحدث وسيم غندور، حفيد الدكتور علي، عن قيمة هذا الصرح الطبي الذي دمرته إسرائيل.
يقول: "لم تدمر إسرائيل مجرد مستشفى يُفترض أنه محمي في القوانين والأعراف الدولية، بل دمرت أيضًا جزءًا من تاريخ النبطية الفوقا الطبي". ويضيف: "هذا الصرح كان شاهداً على كثير من الحروب التي عاشتها منطقة النبطية، حرب عام 1993، وعناقيد الغضب، وحرب 2006، والجولات اللاحقة من الحرب، وبقي يقدم خدماته الطبية أيضاً. اليوم دُمّر هذا التاريخ الطبي، وهذه خسارة كبيرة".
يصعب على عائلة آل غندور تقبّل تدمير الصرح الذي ارتبط بذاكرة البلدة. يقول غندور: "هذه مأساة إنسانية. العدو يرتكب إبادة بحق النبطية ومنطقتها، إبادة بشرية وحجرية وطبية، ونخشى أن يسقط سيناريو غزة على كل شيء. وهذا يتطلب وقفة وطنية جامعة لمواجهة هذا المخطط الإجرامي".
حياة معلّقة
فتحت موجة التصعيد الجديدة الباب أمام أسئلة أكبر حول واقع المنطقة ومستقبلها. هنا، تبدو الحياة معلقة على إيقاع الغارات. توقفت مؤسسات ومرافق أساسية. مصلحة الزراعة ومالية النبطية خرجتا من الخدمة، فيما بقي الموسم الدراسي معلّقاً إلى حين اتضاح المشهد.
في النبطية، لا يبدو الدمار مجرد ركام. ثمة بيوت سقطت، وذاكرة تتآكل، ومستشفى صار أثراً، وعائلات دفعت ثمن بقائها في منازلها. كل الأنظار تتجه إلى علي الطاهر وما بعده مع استمرار التوتر في المنطقة وتعليق العمل في عدد من المؤسسات والمرافق الأساسية في النبطية. وبينما يترقب الأهالي ما بعد علي الطاهر، تبقى العودة إلى الحياة مرتبطة بمسار التصعيد وما ستؤول إليه التطورات الميدانية.