25 ربيع الأول 1448

الموافق

الثلاثاء 08-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

ثقافة وفن ومنوعات ثقافة هل منحوتة نيكولا غودن تقف عند الحدّ الفاصل بين التشريح والهندسة؟
هل منحوتة نيكولا غودن تقف عند الحدّ الفاصل بين التشريح والهندسة؟
ضحى عبدالرؤوف المل
2026-09-08
هل منحوتة نيكولا غودن تقف عند الحدّ الفاصل بين التشريح والهندسة؟

 

تضعنا الفنانة نيكولا غودن Nicola Godden أمام هيئة بشرية ممدودة في حالة انتقال، لا في حالة وصول وكأن الحركة قد تجمدت في اللحظة الدقيقة التي تسبق السقوط أو التي تجعل السقوط مستحيلاً. لذلك فإن التوازن في هذا العمل ليس توازناً ساكناً، بل توازن مهدَّد، متوتر، حركي، ومؤقت. العين قد تنخدع فتبحث عن مركز ثقل جسدي واضح، لكنها سرعان ما تكتشف أن المركز الحقيقي ليس في الرأس ولا في الصدر ولا في القدم، وإنما في نقطة أكثر خفاءً أي في منطقة اتصال الجذع بالامتداد الهندسي المحيط به، حيث تتقاطع قوى عديدة، صعود الذراع، اندفاع الذراع الثانية، انفتاح الساقين، انحناء المحيط الخارجي، وثقل القاعدة. هذه النقطة ليست مجرد موضع تقني لتثبيت العمل، بل هي المفصل الفلسفي الذي يجعل كل ما حولها ممكناً. منها يبدأ الوهم بأن الجسد يطير، ومنها أيضاً يبدأ الشك في أن هذا الطيران قد يكون سقوطاً مؤجلاً. ولعل قوة العمل تكمن تحديداً في أن نيكولا لا يسمح بأن ننسى الفيزياء، حتى وهو يحاول أن يجعلنا نحلم ضدها.

تنقلنا غودن من الكتلة إلى القياس إذ تعتمد على مفارقة شديدة الذكاء بين الارتفاع والامتداد. الشكل العام أقرب إلى محور عمودي طويل، لكنه لا يستقر في عاموديته، إذ تنحرف الحركة عن المحور بواسطة أذرع وساقين وأشرطة هندسية تتجه قطرياً. لذلك لا يعود الارتفاع مجرد قياس رأسي، بل يتحول إلى طاقة دفع. الجسد يحتل تقريباً قلب المجال البصري، غير أن حجمه المادي لا يساوي حجم تأثيره البصري، فالخطوط الهندسية المحيطة به أكبر من أجزاء الجسد في بعض المناطق، لكنها لا تنتزع منه السيادة كما تصبح القياسات نسباً لا أرقاماً كنسبة الجسد إلى الفراغ، نسبة الخط إلى الكتلة، نسبة الامتداد إلى الارتكاز، ونسبة الحركة إلى السكون. ومن هذه النسب تتولد موسيقى بصرية لا تُسمع بالأذن أنما تُحس بصرياً، وتُدركها العين والجسد معاً. فالمتلقي لا ينظر إلى التوازن فحسب، بل نشعر به في أجسادنا، لأن المنحوتة تجعلنا، بطريقة غير مباشرة، نعيد اختبار معنى الوقوف. كم أن الفراغات ليست مناطق ناقصة بين العناصر، بل عناصر فاعلة في بناء المعنى. الفراغ الذي يفتح بين الذراع الصاعدة والهيكل المنحني ليس مجرد مساحة فارغة؛ إنه مثلث هندسي يسمح للحركة بأن تظهر. والفراغات الصغيرة التي تتشكل بين الجسد والأشرطة الهندسية تعمل كفواصل موسيقية. فهل منحوتة نيكولا تقف عند الحد الفاصل بين التشريح والهندسة؟

إن جوهر التوازن يجبرنا أن نعود إلى النقطة الارتكازية. هناك نقطة مركزية تقريباً عند اتصال الجذع بالتركيب المحيط، وهي النقطة التي يبدو منها أن كل الاتجاهات تتشعب. الرأس يصعد قليلاً، الذراع الأولى تتجه إلى الأعلى، الثانية إلى اليمين، إحدى الساقين تنزل، والأخرى تنفتح، بينما المحيط الهندسي يحتضن هذه الحركات من اليسار إلى اليمين. هي ليست نقطة هندسية وحسب، بل مركز قرار بصري. لو تحركت هذه النقطة قليلاً، لاختلّت المنحوتة كلها. كما تظهر مهارة التكوين من النقطة الارتكازية لا تبدو ثقيلة، لكنها تحمل ثقل الجميع. وهذا شبيه بما يحدث في العمارة أو في العلاقات الإنسانية وأحياناً يكون المركز الحقيقي أقل العناصر ظهوراً، لكنه العنصر الذي يمنع المنظومة من الانهيار. فهل يمكن للمرء أن يتخيّل مركز الثقل موزعاً على محور الجسد وعلى نقطة التثبيت الأرضية؟

إن معنى الحركة في هذه المنحوتة لا ينبغي أن يُختزل في فكرة الطيران أو الرقص، رغم أن كلاهما حاضر. الأعمق هو أنها تصور الإنسان بوصفه كائناً لا يستطيع أن يتحرك إلا إذا قبل خطر فقدان توازنه. كل حركة تبدأ باختلال صغير. لكي نرفع ذراعاً، نغير مركز ثقلنا، ولكي نمشي، نسقط قليلاً إلى الأمام ثم ننقذ أنفسنا بالخطوة التالية. لذلك يمكن النظر إلى المنحوتة بوصفها صورة مكثفة للحياة نفسها فالاستقرار ليس غياب الحركة، بل القدرة على إدارة الاختلال. الجسد في العمل يبدو وكأنه يوشك على الخروج من مجاله، لكن الأشكال المحيطة به تمنحه إطاراً من الاحتمالات. وهذا يفتح باباً فلسفياً مهماً. إذ ربما لا يكون الإنسان متوازناً لأنه ثابت، بل لأنه يستطيع أن يظل متحركاً من دون أن يفقد مركزه. وفي هذا المعنى تصبح النقطة الارتكازية استعارة للذات، كل ما حولها يتغيّر، يتمدّد، ينحني، يرتفع وينخفض، لكن ثمة نقطة داخلية ينبغي ألا تضيع. غير أن الفنان لا يجعل هذه النقطة واضحة تماماً، وكأنه يرفض الوهم الساذج بأن لكل إنسان مركزاً ثابتاً يمكن العثور عليه مرة واحدة وإلى الأبد.

أخبار مماثلة