27 ربيع الأول 1448

الموافق

الخميس 10-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

"حدود العفو"!
القاضي م جمال الحلو
2026-09-10
"حدود العفو"!

لم يكن قرار المجلس الدستوري بوقف تنفيذ قانون العفو العام إعلانًا مبكرًا عن عدم دستوريته، ولا يصح قانونًا حمله على معنى الفصل في أساس الطعن قبل صدور القرار النهائي. فوقف التنفيذ، في طبيعته وآثاره، تدبير مؤقت تفرضه مقتضيات صون المراكز القانونية ومنع ترتيب نتائج قد يتعذر تداركها لاحقًا، ريثما يقول المجلس الدستوري كلمته الفصل في مدى مطابقة النص المطعون فيه لأحكام الدستور.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، تكتسب الخطوة التي اتخذها المجلس الدستوري دلالتها القانونية الحقيقية: فهي لا تحسم النزاع، لكنها تكشف عن جدية المآخذ الدستورية بما يكفي لتبرير تجميد آثار القانون مؤقتًا، إلى أن يستكمل المجلس بحثه في أساس الطعن ويصدر قراره النهائي.

والفارق بين الأمرين ليس شكليًا، بل هو من صميم المنهج الدستوري. فالقاضي الدستوري لا يستبق حكمه، ولا يجوز أن يُستخلص من إجراء تحفظي موقف نهائي من دستورية النص. غير أن اللجوء إلى وقف التنفيذ، في المقابل، ليس إجراءً عديم الدلالة؛ إذ يفترض تقديرًا أوليًا لجدية النزاع، وخشيةً من أن يؤدي نفاذ النص، قبل حسم دستوريته، إلى إنشاء أوضاع قانونية يصعب الرجوع عنها، أو إلى ترتيب آثار تتجاوز مجرد التطبيق العادي للقانون.

العفو بين السلطة والحدود

ليس الإشكال الدستوري، في جوهره، منصبًا على مبدأ العفو العام بذاته. فالعفو، بوصفه خيارًا تشريعيًا استثنائيًا، يدخل من حيث الأصل في نطاق السلطة التي يمارسها المشرّع، متى التزم الحدود التي يرسمها الدستور ومبادئ النظام القانوني العام.

لكن سلطة المشرّع، مهما اتسعت، ليست سلطة مطلقة. فالعفو لا يحوّل القانون إلى مجال مستثنى من الرقابة الدستورية، ولا يجعل من مقتضيات الملاءمة السياسية أو الاجتماعية ذريعة لتجاوز المبادئ الدستورية أو المساس باستقرار المراكز القانونية.

ومن هنا ينتقل السؤال الحقيقي من: هل يجوز للمشرّع أن يصدر قانون عفو؟ إلى سؤال أكثر دقة وخطورة: إلى أي مدى يجوز له أن يمدّ آثار هذا العفو، وما الحدود التي يتعين عليه الوقوف عندها؟

وهذه هي النقطة التي يبدو أن قانون العفو المطعون فيه يثير عندها جملة من الإشكالات التي تستحق مقاربة دستورية متأنية.

فإذا كان العفو العام ينصرف، بطبيعته، إلى الآثار الجزائية التي حددها المشرّع، فإن امتداد آثاره إلى قرارات أو ملاحقات ذات طبيعة إدارية أو تأديبية، لا تندرج في الأصل ضمن دائرة العقوبات الجزائية، يطرح مسألة تتجاوز مجرد تفسير النص إلى البحث في حدود المجال الذي يستطيع قانون العفو أن ينفذ إليه.

ذلك أن اختلاف الطبيعة القانونية بين الجزاء الجزائي والتدبير الإداري أو التأديبي ليس اختلافًا في التسمية، بل هو اختلاف في المصدر والغاية والآثار والنظام القانوني الذي يحكم كلًا منها. ومن ثم، فإن إسقاط آثار ملاحقة إدارية لمجرد اتصالها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بواقعة جزائية، قد يفتح بابًا واسعًا للتساؤل عن مدى جواز انتقال أثر العفو من المجال الذي رسمه الدستور والقانون إلى مجال قانوني مغاير.

حين يعيد النص تشكيل الجريمة

ولا يقف الأمر عند هذا الحد.

فمن المسائل التي تستحق التمحيص كذلك ما قد يترتب على بعض أحكام القانون من إعادة توصيف قانوني استثنائي لأفعال جرمية أو لعقوبات مقررة عنها، بما قد يؤدي عمليًا إلى إنشاء معاملة تشريعية خاصة لا تقوم على مجرد إسقاط العقوبة، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة بناء المركز القانوني للفعل أو للعقوبة.

وهنا يبرز الفارق الجوهري بين العفو باعتباره أثرًا تشريعيًا استثنائيًا، وبين إعادة صياغة النظام الجزائي لفئة من الأفعال عبر نص عابر ذي غاية استثنائية.

فالعفو لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة مستترة لإعادة ترتيب البنية الجزائية للجرائم، لأن لكل من التشريع الجزائي والعفو منطقه الدستوري وحدوده وآثاره. وكلما اتسعت دائرة النص الاستثنائي حتى غدا يعيد إنتاج القاعدة الجزائية ذاتها، أصبح من المشروع دستوريًا التساؤل عن حقيقة الوظيفة التي يؤديها النص: أهو عفو عن آثار جرمية قائمة، أم تشريع جزائي استثنائي يعيد تحديد تلك الآثار؟

الأمن القانوني أمام غموض النص

ولعل أخطر ما يمكن أن يواجه أي تشريع استثنائي هو أن يفتح باب التأويل على اتساعه.

فالنص القانوني، ولا سيما حين يتعلق بالحرية الشخصية أو المسؤولية الجزائية أو المراكز القانونية المكتسبة، لا يحتمل أن يكون غامضًا إلى الحد الذي يجعل تطبيقه رهين اختلاف التفسير من مرجع إلى آخر، أو يسمح بإنتاج نتائج متناقضة انطلاقًا من العبارة ذاتها.

والغموض هنا لا يمثل عيبًا لغويًا فحسب؛ إذ قد يتحول إلى مسألة دستورية تمس الأمن القانوني ذاته. فالمخاطب بالقانون يجب أن يكون قادرًا، في حدود معقولة، على معرفة نطاق القاعدة التي يخضع لها، كما يجب أن يكون القاضي قادرًا على إنزالها على الوقائع من دون أن يضطر إلى إنشاء القاعدة بدل تطبيقها.

ومن ثم، فإن أي تناقض بين النصوص، أو أي صياغة تحتمل أكثر من معنى متعارض، أو أي إحالة تفتقر إلى معيار محدد، يصبح أكثر خطورة عندما يتعلق الأمر بقانون عفو يفترض أن تكون حدوده وآثاره واضحة ودقيقة وقابلة للتطبيق بصورة موحدة.

المساواة ليست تفصيلًا عابرًا

ويبرز، إلى جانب ذلك، سؤال المساواة أمام القانون.

فإذا منح المشرّع فئة من الأشخاص منفعة العفو وحجبها عن فئة أخرى، فلا يكفي أن تكون المعاملة مختلفة حتى تكون غير دستورية، كما لا يكفي أن تكون الفئتان متشابهتين في بعض الصفات للقول بوجوب معاملتهما على نحو واحد. فالمعيار الدستوري يكمن في وجود اختلاف موضوعي ومشروع يبرر التمييز، وفي اتصال هذا الاختلاف بالغاية التي توخاها التشريع.

أما إذا قام التمييز على معيار غير منضبط، أو أدى إلى نتائج لا يمكن تفسيرها على أساس موضوعي متصل بموضوع العفو وعلّته، فإن المسألة تنتقل من نطاق السلطة التقديرية للمشرّع إلى نطاق الرقابة الدستورية على مبدأ المساواة.

وهنا تكمن إحدى أدق المسائل التي قد تواجه المجلس الدستوري: ليس في السؤال عما إذا كان للمشرّع أن يختار المستفيدين من العفو فحسب، بل في كيفية بنائه للمعيار الذي فصل به بين المستفيد وغير المستفيد، ومدى اتساق هذا المعيار مع الدستور.

الكلمة للمجلس الدستوري

لذلك، فإن القراءة القانونية الرصينة لقرار وقف التنفيذ تقتضي الابتعاد عن الأحكام المسبقة، كما تقتضي، في الوقت ذاته، عدم التقليل من أهمية الإجراء الذي اتخذه المجلس الدستوري.

فالقرار لا يقول إن قانون العفو قد سقط، ولا يقول إنه سيُبطَل حتمًا. لكنه، في المقابل، يضع النص المطعون فيه تحت مجهر دستوري أكثر صرامة، ويفتح الباب أمام فحص بنيوي لحدود العفو وآثاره، ولطريقة صياغة أحكامه، ولمدى احترامه لمبادئ المساواة والأمن القانوني، وللفصل بين المجالات الجزائية والإدارية والتأديبية، وللحدود التي لا يجوز للتشريع الاستثنائي أن يتجاوزها.

وقد ينتهي المجلس الدستوري، بعد استكمال بحثه، إلى إبطال بعض المواد أو العبارات، أو إلى الإبقاء عليها ضمن قراءة دستورية محددة تقيّد نطاق تطبيقها، أو إلى تأييد القانون برمته إذا خلص إلى انتفاء المآخذ التي أثارها الطاعنون.

لكن ما ينبغي أن يبقى ثابتًا، قبل صدور القرار النهائي، هو أن العفو العام ليس منطقة فوق الدستور.

فالمشرّع، حين يمنح العفو، يمارس سلطة تشريعية؛ والمجلس الدستوري، حين يراقب هذا العفو، يمارس وظيفة دستورية؛ وبين السلطتين يقف الدستور بوصفه الحد الأعلى الذي لا يعلوه تشريع، ولا تبرره ضرورة سياسية، ولا يستثنيه ظرف اجتماعي أو جزائي.

ومن هنا، فإن القضية الحقيقية ليست قضية عفو فحسب، بل قضية حدود السلطة التشريعية حين تتدخل في أكثر المجالات التصاقًا بالحقوق والحريات والمراكز القانونية.

وهذه، في نهاية المطاف، هي المسألة التي ينتظر أهل القانون أن يقول فيها المجلس الدستوري كلمته:

ليس ما إذا كان العفو جائزًا، وإنما أين ينتهي العفو، وأين يبدأ الدستور.

جنوبيات
أخبار مماثلة