26 ربيع الأول 1448

الموافق

الأربعاء 09-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "أريج الأخلاق"!
"أريج الأخلاق"!
القاضي م جمال الحلو
2026-09-09
"أريج الأخلاق"!

أرقى وأجملُ العطور ما يخرج من لسانك، فيُسمعه غيرك، ويشعر بأريجه من حولك؛ فالكلمة الطيّبة ليست مجرّد حروف تُقال، بل أثرٌ طيّبٌ يلامس القلوب، وقد قيل: «الكلمة الطيّبة صدقة».

أرقى السلام لمن يُزهِرون القلب بحروفهم، ويتركون في النفس أثرًا جميلًا لا تقدر قسوة الواقع على محوه؛ فرغم كل ما يحيط بنا من وجعٍ وتعب، تبقى هناك دائمًا ابتسامة أمل، وكلمة طيّبة، وقلبٌ يعرف كيف يمنح الحياة شيئًا من جمالها.

وفي علاقاتك مع الآخرين، ستجد أنّ بعضهم غلطةٌ محسوبة، وبعضهم درسٌ لا يُنسى، وبعضهم ذكرى جميلة ثم تمضي وتنتهي؛ أمّا البعض الثابت، فهم حالةٌ من الرقيّ في الأقوال والأفعال، ونعمةٌ لا تُقدّر بثمن، فحافظ عليهم، ولا تفرّط بمن كان وجوده في حياتك أمانًا وصدقًا ووفاءً.

واعلم أنّ من أرفع منازل الصداقة منزلتين: صبرُك على صديقك حين يغلبه طبعُه فيسيء إليك، ثم صبرُك على هذا الصبر حين تُغالِب طبعك كيلا تُسيء إليه. فالصداقة الحقيقية ليست في كثرة اللقاء، ولا في وفرة الكلام، وإنما في سعة الصدر، وحسن الظن، والقدرة على تجاوز العثرات حين يكون الودّ أصدق من الخطأ.

ولا تجعل علاقتك بالله كعلاقتك بالإسعاف؛ فلا تتصل به عند الطوارئ فحسب، بل اجعل قلبك معلّقًا به في الشدة والرخاء، في الفرح والحزن، وفي كل لحظة من لحظات العمر. اذكره وأكثر من ذكره، فإنّ القلب إذا امتلأ بالله، هان عليه ما سواه، واستراح من قلق الطريق، وأبصر في العتمة نافذةً من نور.

ولقد كان أبي يشتري من بضائع البسطاء بأغلى الأثمان، رغم أنّه لم يكن يحتاج إليها. فكنت أغضب من هذا التصرّف، فيقول لي: «هي صدقةٌ مغلّفة بالعزّة يا ولدي». يومها ربما لم أدرك عمق هذه الكلمات، لكنني أدركت مع مرور الزمن أنّ أجمل العطاء ما حفظ للإنسان كرامته، وأنّ اليد التي تعطي لا ينبغي أن تجعل المحتاج يشعر بانكساره.

كونوا بأخلاقكم باقة ورد؛ لونها الأمل، وسحرها الحياء، ورحيقها الأدب، وعطرها احترام مشاعر الآخرين. لا تجعلوا أخلاقكم موسمًا عابرًا، بل اجعلوها طبعًا ثابتًا، لأنّ الإنسان لا يُقاس بما يملك، ولا بما يقول عن نفسه، بل بما يتركه من أثرٍ في قلوب الناس.

ولعلّ أجمل ما يمكن أن نتعلّمه من الحياة أنّ الإنسان قد ينسى كثيرًا مما قيل له، لكنه نادرًا ما ينسى كيف جعلته كلمةٌ ما يشعر، وكيف عامله إنسانٌ ما في لحظة ضعف، ومن وقف إلى جانبه حين ضاقت به الدنيا. 
لذلك، لا تبخلوا بكلمةٍ طيّبة، ولا بابتسامة، ولا بموقفٍ كريم؛ فقد تكون كلمةٌ منك جبرًا لقلبٍ لا تعرف مقدار ما يحمل من وجع، وقد يكون لطفك عابرًا في يومك، لكنه يبقى طويلًا في ذاكرة إنسانٍ احتاج إليه.

فالحياة، مهما قست، لا تحتاج منّا إلى مزيدٍ من القسوة؛ بل تحتاج إلى قلوبٍ تعرف الرحمة، وألسنةٍ تختار أجمل الكلام، وأيدٍ تمتدّ بالخير دون منّة، ونفوسٍ تحفظ الودّ ولا تتاجر به. وما أجمل أن يرحل الإنسان عن مجلسٍ فيقول الناس: لقد ترك فينا شيئًا جميلًا.

إنها كلماتٌ مغلّفة بأريج الصدق، مفعمةٌ بشذا الطيبة، وغايتها أن يكون تصرّفنا سليمًا بعقلٍ حكيم، وقلبٍ مفعمٍ بذكر العليم؛ فالأخلاق الطيّبة ليست زينةً نرتديها أمام الناس، بل نورٌ يسكن فينا، ويظهر في معاملتنا لهم حين لا ننتظر منهم جزاءً ولا شكرًا.

وفي نهاية المطاف، يبقى أجمل ما يتركه الإنسان بعده ليس مالًا جمعه، ولا منصبًا شغله، ولا كلماتٍ قالها عن نفسه، بل أثرًا طيّبًا في قلب إنسان. فازرعوا الخير حيثما مررتم، وكونوا للقلوب التي تلتقيكم رحمةً لا عبئًا، ونورًا لا ظلامًا، وذكرى جميلةً لا تُنسى.

فالكلمة الطيّبة عطر، والأخلاق الطيّبة أثر، والرحمة أجمل ما يمكن أن نحمله معنا في هذه الحياة.

جنوبيات
أخبار مماثلة