حصل نتنياهو على الصورة التي يريد "تقريشها" في الداخل الاسرائيلي، وإختار سواد الليل موعداً لتفجير مرتفعات علي الطاهر، في مشهد بدا مصمماً لاستكمال الصورة الاستعراضية للحرب، وبث رسالة إلى البيئة الحاضنة لحزب الله مفادها هذه هي التلة الاستراتيجية التي قيل إن معركتها ستكون "كربلائية" إذا حاول جيش الاحتلال السيطرة عليها، قد دُمّرت أمام أعينكم.
وفي المقابل، أرادت إسرائيل أن تقول إن إيران التي ارتبط اسمها بتحذيرات من أن استهداف الموقع قد يفتح باباً لتصعيد أوسع، لم تبادر إلى توجيه صواريخها الى تل أبيب.تصفح الخرائط الجغرافية
لكن ما أراده نتنياهو من الصورة السياسية شيء، وما يمكن إثباته عسكرياً شيء آخر.
نتنياهو ورسالة "أكبر قاعدة إيرانية"
مع تفجير علي الطاهر، قال نتنياهو إن إسرائيل قامت بتفجير "أكبر قاعدة إيرانية خارج إيران".
وهذه العبارة بصرف النظر عن دقتها العسكرية، تحمل دلالة سياسية تتجاوز توصيف الموقع، إذ تضع العملية مباشرة في سياق المواجهة مع إيران.
وهنا تبرز فرضية مهمة هل أراد نتنياهو من خلال توصيف الموقع بهذه الطريقة استدراج إيران إلى رد مباشر، بما يسمح له بتحويل العملية من ضربة محدودة في جنوب لبنان إلى جزء من مواجهة إقليمية أوسع؟تابع الأخبار السياسية
اكتشاف المزيد
مجلة اللواء
انضم للجولات التاريخية
تاريخ إسرائيل
لكن قراءة المشهد الإقليمي خلال الفترة الماضية تشير إلى أن طهران حاولت، في المقابل، إبقاء إسرائيل خارج دائرة الاستهداف المباشر في بعض مراحل التصعيد، وتوجيه رسائلها العسكرية والاستراتيجية أساساً إلى الولايات المتحدة، وتم تحريك جبهة اليمن، واستكمال خنق الاسواق العالمية باقفال باب المندب ومضيق هرمز، اضافة الى الضربة الباليستية الموجعة التي طالت طائرات سلاح الجو الاميركي F-15 وA-10 في قاعدة "موفق السلطي".
وهذه ليست تفصيلاً هامشياً، فـتحييد إسرائيل عن الضربة المباشرة، إذا استمر، يحرم نتنياهو من إحدى أهم الأوراق التي يحتاج إليها وهي تحويل المواجهة إلى حرب إسرائيلية ـ إيرانية مباشرة.اكتشف الفعاليات العربية
أما لناحية طبيعة التفجير ومن خلال المعطيات الميدانية، يبدو أن الضربة استهدفت المنطقة الواقعة فوق مرتفعات علي الطاهر، وليس داخلها وهذا التفصيل مهم، خصوصاً أن المنطقة تعرضت على مدى أكثر من 23 يوماً لغارات إسرائيلية متواصلة، كما تم إلقاء براميل متفجرة لمدة اسبوعين على التلة، تحتوي البراميل على "نيترات الأمونيوم"، اضافة الى مواد متفجرة مثل TNT أو RDX، وفواعل تفجيرية مؤقتة لتفجيرها عن بُعد.
وبحسب ما ظهر في المشاهد، واقتصارها على كتلة اللهب الكبيرة الناتجة عن 1100 طن من المتفجرات، يتأكد ما كان قد سُرب من حديث عن نقل الصواريخ الثقيلة لحزب الله منذ اكثر من ثلاثة أشهر من هذه الانفاق، وتحولها الى نقطة عسكرية لوجستية استخدمها شباب المقاومة لصد اي توغل بري في المنطقة.
وبعيداً عن "القطبة المخفية" أو الصفقة التي حولت علي الطاهر من "تلة استراتيجية" الى مجرد انفاق تحتوي على معدات عسكرية ولوجستية، فمن الواضح انه لو كانت التفجيرات الاسائيلية أصابت بالفعل منشآت تحتوي على صواريخ وذخائر، لكان من المتوقع مشاهدة انفجارات ثانوية أو انفجار ذخائر وصواريخ مخزنة داخل الموقع.
حجم التفجير الذي هزّ الجنوب وأحدث هزة ارضية وصلت الى 4 درجات|، لم يكن موجهاً إلى الميدان وحده، فنتنياهو أراد للمشهد أن يُرى وأن يُسمع، وأن يتحول إلى صورة سياسية قبل أن يكون مجرد نتيجة عسكرية.
لكن القراءة العسكرية لا تقاس بحجم اللهب.
نتنياهو يحتاج اليوم إلى الصورة، خصوصا انه يدخل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول في وضع سياسي أكثر هشاشة مما يحاول إظهاره.
استطلاعات حديثة لا تمنح كتلة اليمين المؤيدة له أغلبية الـ61 مقعداً، فيما تشير أحدث النتائج المنشورة إلى 52 مقعداً فقط للكتلة الداعمة له مقابل 57 للكتلة المناوئة، مع بقاء المقاعد العربية خارج هذين المعسكرين.
بل إن نتنياهو يخوض معركة لتوحيد اليمين ومنع تشتت أصواته، فيما تشير تقارير إلى تراجع قوة الليكود وصعوبة ضمان بقاء معسكره في موقع يسمح له بتشكيل الحكومة.
وهنا يصبح المشهد العسكري جزءاً من الحساب الانتخابي.
نتنياهو لا يريد أن يخوض الانتخابات باعتباره رئيس حكومة يُسأل عن إخفاقات 7 تشرين الأول وإخفائه معلومات عن القيادة العسكرية مع الحديث عن ان الامارات حذرته مما يُحضر في السابع من اوكتوبر، ولاعن نتائج الحروب الطويلة، وملفات الفساد التي ما زالت تلاحقه في المحاكم.
يريد أن يدخلها بصورة مختلفة، رجل الحرب الذي يطارد إيران، ويدمر بنى حزب الله، ويوسع المنطقة الأمنية، ويمنع الخطر الإيراني من الوصول إلى إسرائيل.تصفح الخرائط الجغرافية
وهذه الصورة تحديداً يمكن لـ"مسرح" علي الطاهر أن يخدمها.
كما ان التفجير الذي استهدف مرتفعات علي الطاهر لا ينفصل عن المسار السياسي المتصل بالجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، ولا سيما أن الإعلان عن موعد الجولة جاء بعد فترة طويلة من عدم حسم موعدها، بالتزامن مع زيارة ديفيد هيل إلى لبنان ولقائه عدداً من المسؤولين اللبنانيين، قبل انتقاله إلى إسرائيل وإطلاقه مواقف ملتبسة بشأن الاتفاق والإطار الثلاثي وآليات المرحلة المقبلة.
كما ذهب السفير الأميركي السابق في لبنان أبعد من ذلك حين تحدث عن "رغبة" استشفّها من لقائه مع رئيس الجمهورية، نحو "المضي قدماً وبسرعة أكبر نحو السلام وإقامة علاقات كاملة مع إسرائيل".
ويبرز ايضا ملف المنطقة الأمنية التي تتحدث عنها إسرائيل في جنوب لبنان، فالتصريحات الإسرائيلية الأخيرة لا توحي بأن الانسحاب من المواقع التي احتلتها سيكون تلقائياً أو سريعاً، بل تشير إلى توجه لتثبيت وجود عسكري طويل الأمد. ويأتي ذلك بالتوازي مع إنشاء سلسلة من المواقع العسكرية التي تمتد من محيط الخيام وكفركلا ومارون الراس وبنت جبيل وصولاً إلى البياضة والقطاع الغربي، بعمق داخل الأراضي اللبنانية يصل في بعض النقاط إلى نحو كيلومترين.
وبذلك لا تعود المسألة مجرد عمليات عسكرية ظرفية، بل تصبح محاولة لإعادة رسم الجغرافيا الأمنية للجنوب وفق رؤية إسرائيلية تقوم على الاحتفاظ بنقاط ارتكاز ثابتة، بما يمنحها قدرة أكبر على المراقبة والاستهداف والتحكم بمساحات واسعة من المنطقة الحدودية.
ومن هنا تكتسب عملية علي الطاهر دلالتها. فالتفجير يأتي في لحظة سياسية حساسة وقبيل استئناف المفاوضات، ما يطرح احتمال أن يكون الهدف منه ليس فقط ضرب موقع عسكري، بل إرسال رسالة تفاوضية واضحة، وهي ان إسرائيل تريد الدخول إلى الجولة المقبلة وهي تحمل في يدها وقائع جديدة على الأرض، بما يجعل أي تفاوض لاحق يجري من نقطة مختلفة عن تلك التي بدأت منها المفاوضات.
هذه الاستراتيجية تشبه، في جوهرها، ما يجري في الضفة الغربية وسوريا، حيث تعمل إسرائيل على استثمار عامل الوقت لتوسيع نطاق انتشارها وفرض معادلات جديدة قبل أن تتحول إلى التزامات سياسية أو تفاوضية.
ثلاثة سيناريوهات بعد علي الطاهر
السيناريو الأول: احتواء مضبوط.تصفح الخرائط الجغرافية
تمتص إيران الضربة، ويتجنب حزب الله الذهاب إلى مواجهة واسعة، وتستمر المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية تحت ضغط أميركي. في هذه الحالة تكون إسرائيل قد حققت مكسباً عسكرياً وتفاوضياً، لكن من دون الحرب التي تبحث عنها.
وهذا السيناريو رغم قسوته على لبنان، يبقى الأقل خطراً إقليمياً.
السيناريو الثاني: رد محدود محسوب
يأتي الرد من حزب الله أو من إيران، ولكن ضمن قواعد تمنع الذهاب إلى الحرب الشاملة. عندها سترد إسرائيل، لكن مع محاولة إبقاء التصعيد تحت سقف معين، وهذا السيناريو سيعطي نتنياهو مادة انتخابية قوية.اكتشف الفعاليات العربية
السيناريو الثالث: الالتحام الكبير وهو الأخطر
رد إيراني مباشر، أو ضربة إسرائيلية تستهدف موقعاً إيرانياً حساساً، أو عملية إسرائيلية في الضاحية الجنوبية أو البقاع، تؤدي إلى انهيار قواعد الاشتباك.
عندها تصبح كل الجبهات قابلة للالتحام، من لبنان إلى سوريا والعراق واليمن والخليج، وتدخل الولايات المتحدة بصورة أعمق.
وهنا تحديداً قد يجد نتنياهو ما يبحث عنه منذ فترة وهي حرباً إقليمية تحول الانتخابات من استفتاء على حكمه إلى استفتاء على قيادته في زمن الحرب.
لكن المفارقة أن هذا السيناريو قد يكون أخطر على نتنياهو نفسه مما يبدو.
فالحرب إذا طالت ولم تحقق نتائج حاسمة، يمكن أن تعيد إنتاج الأزمة السياسية بصورة أكبر. وإذا ارتفعت الخسائر، وتوسعت الضربات على الجبهة الداخلية، وتعطلت الحياة الاقتصادية، فإن صورة "رجل الأمن" قد تنقلب إلى عبء انتخابي جديد.
وبالعودة الى علي الطاهر، فإن تدمير موقع محصّن، مهما بلغت درجة التحصين أو حجم الأضرار التي لحقت به، لا يعني بالضرورة السيطرة عليه أو احتلاله، فالتدمير قد يستهدف الأنفاق والتحصينات والممرات والمنشآت، ويؤدي إلى تعطيلها أو تقليص قدرتها على العمل، لكن السيطرة أو الاحتلال يفرضان معادلة مختلفة، تقوم على وجود قوات على الأرض، ونقاط مراقبة وحماية، وخطوط إمداد، وقدرة مستمرة على صد أي محاولة لاستعادة الموقع.