التحرك الميداني المكثف للمؤسسة العسكرية في أحياء النبطية ومحيط السراي الحكومي والطرق المحورية يفتح الباب واسعاً أمام قراءة تُحلل الأبعاد السياسية، والأمنية، والدبلوماسية، والاجتماعية التي تحكم هذا التحوّل الميداني المفصلي.سياسة
• شرارة «علي الطاهر» ونداء النبطية الثاني
تعود بداية الفصول الحالية لهذه الأزمة الميدانية إلى تطور أمني مفصلي تمثل في سقوط مرتفعات «علي الطاهر» الاستراتيجية بيد قوات الاحتلال الإسرائيلي، بعد امتناع عناصر «حزب الله» عن تسليم هذه التلة الحاكمة للجيش اللبناني. هذا السقوط الميداني وضع مدينة النبطية ومحيطها أمام اختبار مصيري؛ حيث خشي أهالي المدينة أن يتكرر السيناريو المأساوي ذاته في أحياء حاضرة جبل عامل، خصوصاً مع تواتر الأنباء والمعلومات التي تشير إلى أن النبطية باتت الهدف المباشر للعمليات العسكرية الإسرائيلية القادمة ولفرض سيطرة نارية شاملة عليها.
أمام هذا الخطر المحدّق والداهم، لم يقف المجتمع المحلي مكتوف الأيدي؛ إذ بادرت شخصيات فاعلة تضم مئات الناشطين والمثقفين والأطباء والمحامين من أبناء المدينة إلى إطلاق نداء علني عُرف بـ «نداء النبطية الثاني». طالب الموقّعون في بيانهم المؤسسة العسكرية صراحة بضرورة الانتشار الكامل، تجنّباً لسيناريو التدمير الشامل الذي أحال بلديات ومدناً حدودية مجاورة إلى ركام.
• قرار بعبدا ومظلة الغطاء السياسي والديني
واستجابة لهذا الخطر المتصاعد والتحدّي الميداني، جاء قرار تعزيز الحضور العسكري نتيجة اجتماع أمني موسّع ومفصلي ترأسه رئيس الجمهورية جوزاف عون في قصر بعبدا، بحضور قائد الجيش ورؤساء الأجهزة الأمنية والمخابراتية. خُصص الاجتماع لوضع الترتيبات العملية لضبط الأمن الداخلي وتكثيف الدوريات في النبطية وقضائها.
وعلى خط التوازنات الداخلية، قاد رئيس الجمهورية شبكة اتصالات شملت رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام. ولعب رئيس البرلمان دوراً محورياً في توفير المظلة السياسية للخطوة من خلال ممارسة ضغوط غير مباشرة لإقناع «حزب الله» بالتنحي جانباً وإفساح المجال كاملاً أمام انتشار الجيش. وتلازم هذا الحراك مع غطاء محلي وديني بارز تمثل في مواكبة بلدية النبطية للانتشار ميدانياً، والنداء الصريح الذي وجهه إمام المدينة الشيخ عبد الحسين صادق لدعم الحضور الرسمي للدولة ومؤسساتها، بما يعزز مبدأ حصرية السلاح وحماية السلم الأهلي.
• الانتشار الميداني بين دحض الشائعات والواقع السياسي
شهد هذا الانتشار الميداني موجة من الجدل وسيل التسريبات حول طبيعته وحجمه؛ إذ تحدثت مصادر متابعة عن «خطط انتشار استثنائية جديدة شمال نهر الليطاني». وأمام هذه التسريبات، بادرت قيادة الجيش إلى إصدار توضيح رسمي أكدت فيه أن وحداتها العسكرية موجودة أصلًا في كافة المناطق اللبنانية الخالية من الاحتلال، بما في ذلك مدينة النبطية ومحيطها، منذ ما قبل التطورات الأخيرة. وأوضحت القيادة أن ما يجري ميدانياً يتلخص في «تكثيف المهمات الأمنية وتسيير الدوريات لتثبيت الاستقرار وطمأنة المواطنين»، وليس تسلّماً لمواقع جديدة أو انتشارات مستحدثة.
تقاطعت التحليلات مع الموقف الرسمي في إعادة ضبط القراءة الميدانية، مشيرة إلى أن بعض التسريبات الإعلامية ضخمت التحركات بهدف إظهارها كصيغة أمنية جديدة تفرض مناطق عازلة. غير أن هذا التوضيح لم يمنع وجود قراءات سياسية معارضة رأت أن الحديث عن وجود سابق للجيش يفتقر للواقعية العملية، لكون البيانات الرسمية لم تفصح عن حجم القوات أو خطط التتمرّكز والدوريات المحددة، مما ترك باب التساؤلات مفتوحاً حول حدود هذا التكثيف الميداني.
• معضلة الردع العسكري وعقدة «علي الطاهر»
وهنا تبرز معضلة أمنية وسياسية دقيقة تفرض نفسها على مشهد الجنوب. فوجود الجيش اللبناني، وتكثيف دورياته، وتثبيت نقاطه في النبطية ومحيطها، يحقق الأمن الداخلي والسيادة الإدارية، لكنه يظل عاجزاً عن توفير «الردع العسكري» المكتمل في مواجهة التفوق الجوي والناري الإسرائيلي. وتتجلّى أبعاد هذه المعضلة في لغة الأرقام الرسمية؛ حيث أظهرت بيانات المؤسسة العسكرية تسجيل ما يقارب 8,000 خرق إسرائيلي منذ توقيع اتفاق الإطار.
تزداد هذه المعادلة تعقيداً بالنظر إلى بقاء مرتفعات «علي الطاهر» تحت السيطرة الإسرائيلية؛ فهذه المرتفعات المطلة بوضوح على قضاء النبطية وطرقها الحيوية تجعل السيطرة الإسرائيلية عليها تهديداً مستمراً لسيادة الانتشار الشرعي. ومن ثمّ، فإن أي تثبيت استراتيجي لـ «اتفاق الإطار» سيبقى ناقصاً ما لم يتضمن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من هذا المرتفع وتسلّمه نهائياً بواسطة الجيش اللبناني لفرز واقع ميداني متوازن ومكتمل السيادة.
• طبيعة العلاقة مع «حزب الله» ورسائل الميدان
أما على صعيد العلاقة بين المؤسسة العسكرية و»حزب الله»، فتؤكد المعطيات السياسية والميدانية المتواترة أن ما يجري في النبطية لا يمت بصلة لمفهوم التفاهم المباشر أو التنسيق الثنائي المتكافئ بين الطرفين. فالعملية برمّتها هي مسعى تقوده السلطة الرسمية عبر رئيس البرلمان لتفادي خيار الصدام الميداني وتسليم مقاليد الأمن للشرعية.
تعتبر هذه الخطوة محاولة من الدولة لاستعادة زمام المبادرة الميدانية في أكثر المناطق حساسية؛ وقد عكس ذلك حرص أوساط الحزب الإعلامية على التأكيد بأن مواقفه الرسمية محصورة في بياناته وقيادته، متجنبة إعطاء أي انطباع بأن الحضور العسكري جاء نتيجة اتفاق ثنائي مع المؤسسة العسكرية، مما يؤكد دقة التوازنات السياسية التي تحكم تحرك الجيش على الأرض.
• المسار الدبلوماسي بين روما والغطاء العربي
وعلى الضفة الدبلوماسية، يكتسب هذا التواجد الميداني في النبطية بُعداً تفاوضياً شديد الأهمية؛ إذ يتقاطع مباشرة مع التحضيرات الجارية لعقد الجولة المرتقبة من المفاوضات غير المباشرة في العاصمة الإيطالية روما، برعاية أميركية ودولية. وتأتي المتابعات الدولية بنفي شائعات تأجيل مفاوضات روما وتأكيد استمرار الحوار البنّاء لتجعل من «نموذج النبطية» ورقة عمل حيّة تحرص الدولة اللبنانية على تقديمها أمام المجتمع الدولي والوسطاء، لإثبات قدرتها على إدارة الملف الأمني وحماية مراكز المحافظات الكبرى دون الحاجة لفرض أحزمة أمنية إسرائيلية بالقوة.
في هذه النقطة، تكتسب المبادرات والاتصالات العربية والإقليمية، ولا سيما الدور السعودي، أهمية مضاعفة لدعم هذا المسار عبر ممارسة ضغوط سياسية دولية تضمن إلزام الجانب الإسرائيلي بتقديم ضمانات أمنية حقيقية وتسهيل الانسحاب من النقاط المحتلة، بما يتيح للجيش اللبناني الاضطلاع بمسؤولياته السيادية كاملة من دون التعرض لاستهدافات متكررة أو ابتزاز ميداني.سياسة
• النبطية تحت اختبار السيادة
في الخلاصة، يبقى تعزيز حضور الجيش اللبناني في مدينة النبطية ومحيطها محطة مفصلية واختباراً حقيقياً لجدية المجتمع الدولي وضماناته، ومدى قدرة السلطة الرسمية على ملء الفراغ الأمني وترسيخ مرجعيتها. فالسيادة والردع لا يكتملان لمجرد انتشار الجنود وتسيير الدوريات في شوارع المدينة، بل بتمكين الدولة من فرض قرارها السيادي وحماية أرضها وسماؤها عبر اتفاق إطار يضمن الانسحاب الإسرائيلي الكامل وينهي استباحة الجنوب. ويبقى السؤال الجوهري قائماً: هل تنجح المؤسسة العسكرية في حماية حاضرة جبل عامل وتحصين موقف لبنان في مفاوضات روما، أم ستظل المنطقة رهينة التجاذبات الإقليمية وضغط النار المتواصل؟