6 ربيع الثاني 1448

الموافق

السبت 19-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة صوت الطوائف أم صوت الوطن؟ تفكيك الخطاب الإعلامي في لبنان
صوت الطوائف أم صوت الوطن؟ تفكيك الخطاب الإعلامي في لبنان
د. مهى محمّد مراد
2026-09-19
صوت الطوائف أم صوت الوطن؟ تفكيك الخطاب الإعلامي في لبنان

 

حيثما توجدُ السلطة، يوجد خطاب يحاول أن يشرّعها

ميشال فوكو

تُشكّل وسائل الإعلام، بمختلف أنواعها، ما يُعرف بالسلطة الرابعة، لما تمتلكه من قدرة على التأثير في الرأي العام، ليس فقط من خلال المعلومات و الأخبار التي تنقلها، وإنما أيضاً من خلال الطريقة التي تختار بها الأحداث، وتنتقي زوايا عرضها، وتمنحها المعاني والدلالات.اشترك بالصحف الرقمية

وغالباً ما تحرص المؤسسات الإعلامية على تقديم نفسها بوصفها منبراً للشفافية والموضوعية والمصداقية، وتتبنّى شعارات تعبّر عن رسالتها وتحدد صورتها أمام الجمهور. غير أن الخطاب الإعلامي لا ينفصل عن البيئة السياسية والاجتماعية التي ينتج فيها، ولا يمكن فهمه بمعزل عن المصالح والقوى المؤثرة في صناعة الخبر وتحديد أولوياته.

يشهد لبنان تنوّعاً واسعاً في وسائل الإعلام، المرئية والمسموعة والمكتوبة والرقمية، التي تؤدي دوراً أساسياً في صناعة النقاش العام وفي نقل الأحداث إلى المجتمع. إلّا أن المسألة لا تكمن في تعدد هذه الوسائل واختلافها، بل في طبيعة الخطاب الذي تنتجه، وفي الكيفية التي تتم من خلالها إدارة الحقيقة الإعلامية وتوجيهها إلى المتلقّي.تابع الأخبار السياسية

وهنا يبرز سؤال رئيس: إلى أي مدى تستطيع وسائل الإعلام أن تكون موضوعية في نقل الواقع؟ وإذا كانت الموضوعية هدفاً معلناً، فهل يمكن فعلاً نقل الواقع كما هو؟انضم للجولات التاريخية

إنّ الواقع ليس نصاً واحداً قابلاً للقراءة بالطريقة نفسها من الجميع، فكل حدث يحمل أبعاداً متعددة، وكل متلقٍّ ينظر إليه من موقع اجتماعي وسياسي وثقافي مختلف، فالرؤية تشبه البصمة؛ لا تتطابق مع رؤية أخرى، كما أن الحدث الواحد لا يمكن اختزاله في رواية واحدة أو تفسير واحد.

في الحالة اللبنانية، تزداد هذه الإشكالية تعقيداً، لأن الخطاب الإعلامي يتقاطع بصورة واضحة مع الانقسامات السياسية والطائفية التي طبعت الحياة العامة لعقود. فبعض المؤسسات الإعلامية يرتبط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بقوى  سياسية أو طائفية محددة، الأمر الذي ينعكس على طريقة اختيار الموضوعات، وترتيب الأولويات، وتحديد المفردات، وتفسير الأحداث.

وفي أوقات الأزمات تحديداً، قد يتحوّل الإعلام من مساحة لإدارة الاختلاف وتعدد الآراء إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام، وقد يصبح الاستقطاب أكثر حضوراً من التحليل، والانفعال أقوى من التحقق، والرواية السياسية أكثر تأثيراً من الحقيقة الصحافية.

وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بما إذا كانت المعلومة صحيحة أو خاطئة فحسب، بل بكيفية تقديمها، وما الذي يتم إبرازه، وما الذي يتم إغفاله، ومن أي زاوية يُطلب من الجمهور أن يرى الحدث.

ومعَ ذلك، فإن نقد الخطاب الإعلامي اللبناني لا يعني إنكار أهمية التجربة الإعلامية اللبنانية أو تجاهل هامش الحرية والتنوّع الذي تتمتع به، فقد شكّل الإعلام اللبناني، ولا يزال، مساحة مهمة للتعبير والنقاش، وبرزت فيه مؤسسات ووجوه إعلامية تركت أثراً واضحاً في المشهد العربي.

لكن الحرية الإعلامية تظل ناقصة ما لم ترافقها استقلالية حقيقية، ومهنية مسؤولة، وتشريعات تحمي العمل الصحافي من الضغوط السياسية والمالية والطائفية، فالإعلام لا يصبح وطنياً بمجرد رفع الشعارات، وإنما عندما يستطيع أن يمنح المواطن حقه في المعرفة، وأن يضع الحقيقة والمصلحة العامة فوق الاصطفاف والانقسام.

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط: من يملك وسائل الإعلام في لبنان؟ بل أيضاً: من يملك القدرة على تشكيل وعي اللبنانيين من خلالها؟

هل نريد إعلاماً يعكس انقسامات المجتمع، أم إعلاماً يساعد على تجاوزها؟

قد لا تكون المشكلة في تعدد الأصوات، فالتعدد هو جوهر أي مجتمع حيّ، وإنما في أن يتحوّل كل صوت إلى حقيقة مطلقة، وكل رواية إلى حقيقة وحيدة.

ربما يحتاج لبنان اليوم إلى إعلام لا يلغي اختلافاته، بل يمنحها مساحة للحوار، ولا يتحدث باسم الطوائف، بل ينصت إلى المواطنين.

فالسؤال في النهاية ليس كم صوتًا لدينا، وإنما أي صوت نريد أن يصل، وأي وطن نريد أن يبنيه هذا الصوت؟!

جريدة اللواء
أخبار مماثلة