11 ربيع الثاني 1448

الموافق

الخميس 24-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

العبور إلى البداية
د. قصي الحسين
2026-09-24
العبور إلى البداية

لا يتوقف الزمن عند «تلة علي الطاهر». تماما كما لم يتوقف الزمن عند «تل الزعتر». فقط لأن لبنان يريد أن ينهض من تحت الكوابيس الثقيلة. يريد أن يعود بلدا طبيعيا. له دولة ولو مثل دولة جبل طارق. وله مطار ولو مثل مطار جبل طارق. ولو عادت مساحته لا تتجاوز مساحة جبل طارق. أقل أو أكثر من زوطر الشرقية والغربية...تاريخ لبنان

لبنان مصر على العودة إلى البداية التي نشأ عليها، ولو بصورة دولة تجريبية صغيرة، بشرط أن تكون له دولة كاملة الصلاحية. غير قابلة للقسمة.

وغير قابلة للشركة أو التشارك، أو المشاركة. دولة بكامل الصلاحيات، مثل دول العالم المتمدن. دولة ذات سيادة على أرضها. كل شيء فيها قانوني. وكل الصلاحيات فيها ميثاقية و دستورية. تمنع أن ينقلب أحد عليها. أو يسطو بالمال والسلاح، ولو على قرية أو على سياج فيها.

العبور إلى الدولة الطبيعية، مطلب اللبنانيين جميعا. جربوا كل أشكال الدويلات السابقة، فما وجدوا بينها دولة. جربوا أن يستبدلوا علمها. وأن يستبدلوا نشيدها الوطني. جربوا أن يستقووا بالأصدقاء وبالأعداء. وبالأخوة وبالأشقاء. فخاب أملهم. كبا جوادهم، في وسط الطريق. وربما قبل أن يبدأوا.

جرب اللبنانيون كل الدويلات، إلا دولة الدولة. فكانت حياتهم جحيما. وكلما كانوا يستبدلون الدويلة، بدويلة أخرى، سرعان ما كانوا يسقطون في الحفرة. وتغدو الدويلة عارا وشنارا، لا يعرفون كيف ينقذون أنفسهم منها. ولا كيف ينفضون أيديهم من أيديها. ثم سرعان ما يمضون وقتا طويلا في غسل القذارة.

اللبنانيون اليوم، يريدون العودة إلى حضن الدولة. يقولون للجميع، كفى ذلا. كفى قتلا. كفى تهجيرا. كفى تدميرا. كفى مكابرة. يريدون أن يبدأوا بالمناطق التجريبة، كخطوة أولى للعبور إلى الدولة. يحلمون بدولة طبيعية. تحاسب الخارج على القانون. وتحاسب الخارج على الميثاق والدستور. وتحاسب من يرفع علما غير علمها. ومن يعتلي منبرا في وجهها. فكيف بمن يحمل السلاح، ولو كان مسدسا.

العبور إلى الدولة اليوم ليس سهلا علينا. فقد أمضينا عمرنا في الطيش على الدولة. وفي شيطنتها. وفي تخريبها من الداخل، حتى كادت أن تسقط على رؤوسنا جميعا، جميع هياكل الدولة. فإذا ما سقط سقف الدولة علينا، ليس هناك من فرقة مأمونة. وليس هناك من فرقة ناجية.

المناطق التجريبية، هي خطوة أولى، في رحلة الألف ميل، للبناء على فكرة الدولة. فإذا ما سقطت هذة الفكرة، فهيهات هيهات أن تعود إلينا. فالمتربصون بنا كثر. والمراهنون على الفشل أكثر منهم. نسمعهم يقولون: إنها لتقطيع المرحلة.

لماذا الرهان دائما، على الخيبة من فكرة الدولة. لماذا يعرض الخائبون بيع الوطن قطعة قطعة. إعتاد اللبنانيون على تجار القطعة. ولكنهم اليوم، عازمون على الوقوف بحزم في وجوههم، لأن الخرق إتسع على الراقع. وما عاد التغابي ينفع. وما عاد التعالي ينفع. فقد وصلت الموسى إلى الذقن، بعد تلة علي الطاهر، وصرنا نخشى مصير تل الزعتر: نخشى تهجير القرى والبلدات، في أعالي التلال المجاورة.

العبور إلى الحلم، هو ما تبقى لنا. نحلم بالبناء على فكرة الدولة، ولو من خلال المناطق التجريبية. ونمشي إلى الجمهورية في النبطية... و نمشي إلى الحكومة في زوطر الشرقية والغربية وسائر البلدات والقرى. ننثر الأرز على قوى الشرعية: جيشا وقوى أمن وبوليس بلدية...

ومن بعبدا إلى عين التينة، إلى قريطم، قولا واحدا: العودة إلى فكرة الدولة. بالعبور إلى البداية أولا. لأجل العبور إلى المستقبل....

أستاذ في الجامعة اللبنانية

جريدة اللواء
أخبار مماثلة