الفقرُ قميصٌ من نار، والجوعُ سيفٌ بتّار. وكاد الفقر أن يكون كفرًا، وقد نُقل عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب: «لو كان الفقر رجلًا لقتلته».
وليس الفقر وحده ما يرهق الإنسان؛ فالحياة قد تضعه أحيانًا أمام سلسلة من المحن التي تتوالى عليه، حتى يشعر أنّ الأبواب قد أُغلقت، وأنّ التعب استوطن روحه قبل جسده. تثقل النفس، وتفيض العين بالدمع لأبسط الأسباب، وقد يعجز الإنسان عن تفسير ما يمرّ به، فيرفع عينيه متسائلًا: لماذا أنا؟ ولماذا كلّ هذا البلاء؟
لكنّ الإيمان يعلّمنا ألّا ننظر إلى المحنة بعين الألم وحدها، بل بعين اليقين أيضًا.
إنّ ربّك يبتليك ليهذّبك، لا ليعذّبك، ويوقظ في داخلك ما أطفأته الغفلة، ويقرّبك منه حين تأخذك مشاغل الحياة بعيدًا عنه. وقد جاء في الحديث النبوي الشريف: «ما يُصيب المؤمنَ من نصبٍ ولا وصبٍ ولا همٍّ ولا حزنٍ ولا أذًى ولا غمٍّ، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه».
فالبلاء، في ميزان الإيمان، ليس دائمًا علامة خذلان، ولا دليلًا على أنّ الإنسان متروكٌ لمصيره؛ فقد يكون بابًا خفيًّا من أبواب الرحمة، وطريقًا لا نرى في بدايته إلا الألم، بينما يحمل في نهايته من الخير ما لم نكن نتوقّعه.
يبتليك الله لتعود إليه بقلبٍ أكثر صدقًا، وتدعوه برجاءٍ لا ينقطع، وتدرك أنّ الإنسان، مهما امتلك من قوة، يبقى محتاجًا إلى رحمة الله ولطفه.
وحين تضيق بك السبل، لا تستسلم لليأس. فكم من بابٍ ظننّاه مغلقًا فُتح، وكم من محنةٍ حسبناها نهايةً كانت بدايةً جديدة، وكم من دمعةٍ نزلت من شدة الألم، كانت تمهيدًا لفرحةٍ لم نكن نعرف متى تأتي.
نُبتلى لعلّنا من الغفلة نفيق،
ونُبتلى لعلّنا من الذنوب نتوب،
ونُبتلى لعلّ الله يكفّر عنّا السيئات،
ونُبتلى لعلّ الله يغفر لنا الزلّات،
ونُبتلى لعلّ الله يرفع لنا الدرجات،
ونُبتلى لعلّ الله يُكثر لنا الحسنات.
ولهذا، لا تجعل ما أصابك يسرق منك ما بقي لديك من أمل. لا تأسَ على ما فات، ولا تنظر إلى الطريق من زاوية العثرة وحدها؛ فالله الذي أوجدك، وأحصى دمعتك، ويعلم ضعفك وحاجتك، قادرٌ على أن يبدّل حالك إلى أحسن حال.
وقد يطول الليل، لكنّه لا يملك أن يمنع الفجر من الوصول. وقد تعلو الجبال، لكنها لا تستطيع أن تحجب الشمس إلى الأبد.
فإذا اشتدّ عليك البلاء، فاثبت. وإذا ضاقت بك الدنيا، فادعُ الله. وإذا تأخّر الفرج، فلا تظنّ أنّ الدعاء قد ضاع؛ فالله يسمع، ويعلم، ويدبّر، ويأتي بالفرج في الوقت الذي يقدّره بحكمته.
سيأتي الفرج بإذن الله؛ وستمرّ هذه الأيام، ويبقى من قصتك في الحياة أنّك صبرت حين كان الصبر صعبًا، وتمسّكت بالله حين ضاقت بك الدنيا. فلا تفقد الأمل، ولا تطفئ في قلبك نور الرجاء؛ فما دام الله معك، فالأمل باقٍ، والفرج ممكن، والغد يحمل بإذن الله ما يسرّ القلب ويجبر الخاطر.