يُصرّ أهالي القرى والبلدات الواقعة ضمن "الخط الأصفر" الذي حدّدته قوات الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان على ألا يتحوّل اقتلاعهم من أراضيهم وأرزاقهم إلى محطة استسلام ويأس، حيث يكابرون على أوجاعهم من أماكن النزوح، ويتسلّحون بعزيمةٍ تساعدهم على مواصلة الحياة إلى أن يحين موعد العودة.
منذ تجدّد العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2 مارس/ آذار الماضي، لا تزال عائلات كثيرة من أهالي الجنوب عاجزة عن العودة إلى بلداتها وقراها الواقعة ضمن ما سمّاه الجيش الإسرائيلي بـ"الخط الأصفر"، حيث يواصل احتلال 60 قرية وبلدة على عمقٍ يصل إلى عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، ويمنع عودة جميع سكانها إليها.
بالنسبة للآلاف، البيت ما زال بعيداً، والأرض التي اعتادوا زراعتها والاعتناء بها لا يستطيعون الوصول إليها، ومصادر الرزق التي بنوا عليها أسس حياتهم لأعوامٍ طويلة باتت في كثير من الحالات مدمّرة أو متروكة خلفهم. فالخسارة لم تكن بيتاً فقط، إذ بالنسبة إلى كثير من أبناء القرى الحدودية، كانت الحرب اقتلاعاً من منظومة حياة كاملة؛ من الأرض التي تُزرع، إلى المنحل الذي يُربَّى فيه النحل، والحقل الذي تُقطف منه الخضار، والمطبخ الذي تتحوّل فيه المواسم إلى مؤونة منزلية سنوية، والمهنة التي توارثها أصحابها أو أمضوا عقوداً في ممارستها.
ويمنع "الخط الأصفر" في جنوب لبنان الشبيه بتجربة قطاع غزة مُزارعي تلك القرى الجنوبية من الوصول إلى أرضهم، كما يمنع مربّي النحل من تفقّد مناحلهم، ويحرم النساء من إعداد المؤونة السنوية من خيرات أراضيهنّ، بعدما وجدن أنفسهنّ في مدن النزوح يشترين المواد التي كنّ يزرعنها ويحصدنها، فيما اضطرّ آخرون إلى البحث عن أشغال جديدة، بعدما صار موعد العودة إلى قراهم مجهولاً.
ومع مرور الوقت، لم يعد الانتظار خياراً. فالحياة، حتى في أكثر لحظاتها قسوة، تحتاج إلى أن تستمر. لذلك بدأ كثيرون من نازحي لبنان يبحثون عن بدائل لمصادر رزقهم حتى يتمكنوا من البقاء أحياء، ويوفرون الطعام والشراب لأفراد عائلاتهم، إلى حين أن يتمكنوا من العودة الآمنة إلى قراهم بعد تحريرها.
مساعٍ لاستعادة جزء من يومياتهم
في صريفا بقضاء صور، يحاول غسان توبة، ابن بلدة عيترون الحدودية في قضاء بنت جبيل، أن يستعيد جزءاً من حياته التي تركها خلفه. أكثر من 45 عاماً أمضاها في الزراعة وتربية النحل، وبنى في بلدته مناحله ومصدر رزقه، قبل أن تحرق الحرب الإسرائيلية ما عمل على بنائه طوال عقودٍ. يقول لـ"العربي الجديد": "أسّستُ كلّ شيء في عيترون، وكانت تربية النحل على رأس أعمالي. كان لديّ مَنحَلان، لم أستطع نقلهما عقب تجدّد العدوان، فكان أن احترقا. عدتُ وأسّستُ مناحل جديدة في بلدة صريفا، حيث أُنتج العسل حاليّاً".
لا يتحدث توبة عن مهنة جديدة أو عن مشروع اضطر إلى اختياره بسبب النزوح. هو يحاول ببساطة أن يستعيد ما يعرفه جيداً. النحل بالنسبة إليه ليس مجرد وسيلة لكسب المال، بل مهنة رافقته طوال حياته، وجزء من علاقة طويلة بالأرض وإنتاجها. لذلك، حتى بعدما خسر مناحله، لم يبحث عن مهنة أخرى. ويسأل ممازحاً: "هل سأعمل كاتبَ عدلٍ في آخر هذا العمر؟". ويضيف: "قدرنا النحل، نريد أن نعيش من أرضنا وننتج منها". لكن الأرض التي يريد توبة أن يعيش منها لا يستطيع الوصول إليها. وهنا تبدأ المفارقة التي يعيشها كثير من أبناء الجنوب اللبناني، إذ إنّ مهن معظمهم ترتبط بأراضيهم، ولكنّهم يضطرّون اليوم إلى ممارستها بعيداً عن تلك الأراضي.
وفي مكان آخر، تحاول مريم عبد الله، ابنة بلدة الخيام الحدودية في قضاء مرجعيون، أن تبني مصدر رزقها من مهارة مختلفة تماماً، فقد وجدت نفسها خلال الحرب أمام واقع لم تخطط له، ومع استمرار تداعيات الحرب الإسرائيلية السابقة التي عصفت بالقرى الحدودية اللبنانية عقب حرب الإبادة الجماعية بقطاع غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وتوسّعت في عام 2024 قبل أن تتجدّد هذا العام، قرّرت مريم أن تبحث عن عمل تستطيع القيام به من مكان نزوحها في العاصمة بيروت.
اختارت عبد الله مهنة "الكروشيه" (فن خياطة الأقمشة والمفارش) وبدأت في هذه الحرفة اليدوية من المنزل، حيث تُسوّق منتجاتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما تشارك في معارض البيع والترويج حين تُتاح لها الفرصة. هكذا تحوّلت مهارة فنية كان يمكن أن تبقى مجرد هواية بسيطة إلى مصدر دخل أساسي لها ولعائلتها. تقول مريم لـ"العربي الجديد": "كانت حرب العام 2026 قاسية جدّاً، خصوصاً أنه لم يفصلها عن الحرب السابقة وقت طويل. لم يكن أمامي سوى الشروع في مهنة توفّر بعض سبل العيش لعائلتي".
انقطاع دورة كاملة من الإنتاج
كانت نجوى غازي تعمل في تحضير المؤونة الموسمية في بلدة بليدا الحدودية، وبيعها لمن يريد كي توفر قدراً من المال الذي يعين أسرتها طوال السنة. ومع النزوح إلى ضاحية بيروت الجنوبية، لم تترك مهنتها خلفها، بل حملت ما استطاعت منها إلى مكان نزوحها، وأطلقت مشروعاً من المنزل تحت اسم "مُونة ستّي (مؤونة جدّتي)". تقول نجوى لـ"العربي الجديد": "أنا ابنة أرض الجنوب، وقد اقتُلعتُ من جذوري هناك قسراً، في حين أنّني غير معتادة على العيش في بيروت". لا تختصر جملة نجوى حنيناً إلى القرية فحسب، إنما تعبّر عمّا اعتادته من عملٍ يرتبط ارتباطاً مباشراً بالأرض، فهي تزرع، وتحصد، ثم تُحوّل ما تنتجه إلى مؤونة. أمّا في بيروت، فقد انقطعت هذه الدورة الحياتية بالكامل.
تشرح غازي بالقول: "نعمل في الزراعة منذ أعوامٍ طويلة. كنّا نزرع أصنافاً عديدة ونُعدّ المؤونة بأنفسنا. أما اليوم، فلم نعد قادرين على زراعة الأراضي وجني المحاصيل، وصرنا مضطرّين إلى شراء الخضار والفواكه من الأسواق والمحالّ التجارية، بهدف تحويلها إلى مؤونة منزلية". وتتابع: "كنّا نزرع البندورة (الطماطم) البلدية ونُعدّ منها الصلصة، أمّا اليوم فنذهب إلى سوق الخضار ونشتريها، نجفّفها على سطح المبنى في الضاحية الجنوبية لنُعدّ منها الصلصة، في محاولة لإيجاد بديل عمّا فقدناه".
التغيير يبدو بسيطاً في الظاهر، ولكنّه بالنسبة إلى نجوى يعني أنّ دورة إنتاجٍ كاملة انقطعت. ما كان يبدأ في أرض بلدتها بليدا، وينتهي في أوعية المؤونة، يبدأ اليوم في سوق خضارٍ في بيروت. لا تُخفي نجوى وجعها، فهي لا ترى النزوح انتقالاً من مكانٍ إلى آخر، بل اقتلاعاً من حياة كاملة. ومع ذلك، لا تريد أن يتحوّل هذا الاقتلاع إلى استسلام. وتختم بالقول: "نحن موجوعون، ولكنّنا نتمسّك بالعزيمة وإرادة الحياة، ونأمل في أن نعود إلى قرانا". بين الأرض التي لم تعد قادرة على الوصول إليها، والعمل الذي تحاول استعادته في مكانٍ آخر، تصبح المؤونة بالنسبة إلى نجوى أكثر من مُنتجٍ يُباع، إنّها طريقة للحفاظ على شيءٍ من حياة الجنوب، حتى وهي بعيدة عنه.
بيروت الجنوبية، سبتمبر 2026 (العربي الجديد)التعافي بما تيسّراضطرّت ملاك التي تعمل في مجال الورد الاصطناعي إلى أن تُخرِج ما تيسّر من بضائع من تحت الردم والركام، بعدما دمّر جيش الاحتلال الإسرائيلي منزلها في ضاحية بيروت الجنوبية. وتقول لـ"العربي الجديد": "أواصل اليوم عملي بما أملكه من بضاعةٍ، وبكلّ حبّ وشغف".
بدورها، اختارت بيان طه المتحدّرة من قضاء بعلبك (شرق)، والمقيمة في إحدى بلدات الجنوب منذ أكثر من ثمانية أعوام، أن تُطلق مشروعاً للمؤونة الموسمية تحت اسم "تعافينا". الاسم بالنسبة إليها ليس مجرّد عنوان لمشروع تجاري، بل خلاصة لتجربة شخصية، وطريقة لتحويل الألم إلى فعل يومي، وهي زوجة شهيد من جنوب لبنان ومن الذين أُصيبوا بتفجيرات أجهزة البيجر في لبنان في سبتمبر/ أيلول 2024. تقول بيان لـ"العربي الجديد": "هذا عملنا، وقرّرتُ أن أستمر فيه، ليس فقط بهدف كسب المال، بل كونه يمنحني دافعاً وإصراراً على مواصلة الحياة". وتضيف أنّها اختارت اسم "تعافينا" لهذه الأسباب، وتربط الاسم بما تنتجه يداها، بمعنى "تعافينا" من الصحة والعافية، بحسب قولها، إذ يتحوّل العمل نفسه إلى مساحةٍ للتعافي.
حياة مؤجّلة
قصصٌ لا تبدو بعد أشهر من الحرب الإسرائيلية على لبنان، مجرد حكايات عن مشاريع صغيرة وُلدت في أماكن النزوح، إذ خلف كلّ مشروع محاولة لاستعادة شيء دمّرته الحرب؛ مصدر رزق، وروتين يومي، ومهنة، أو حتى إحساس بأنّ الإنسان لا يزال قادراً على إنتاج شيء بيدَيه. فالنازح الذي لا يستطيع العودة إلى أرضه، يحاول أن يحمل مهنته معه، ومَن فقد حقله، يبحث عن مادة أولية في السوق، ومَن لم يعد قادراً على ممارسة مهنته، يحاول تحويل مهارة أخرى إلى عمل، وفي كلّ هذه المحاولات، لا يكون الهدف دائماً بناء حياة بديلة بقدر ما هو إبقاء الحياة الأصلية ممكنة إلى حين العودة.
وفي انتظار أن يصبح الرجوع إلى القرى ممكناً، وهو أمر يتمسك به جميع النازحين، يحاول غالبيتهم أن يجعلوا أيامهم ممكنة في مكان آخر، لا لأنّهم تخلّوا عن أرضهم، ولا لأنّ البديل حلّ محل الأصل، بل لأنّهم يريدون أن يبقوا واقفين إلى أن يحين موعد العودة. فالأرض، بالنسبة إليهم، ليست فقط مكاناً يعودون إليه، إنّما أيضاً المورد الحيوي الذي يريدون أن يعودوا إليه، والمهنة التي يريدون أن يستعيدوها، والحياة التي يحاولون، منذ أشهر، ألا يفقدوها، رغم كل الصعوبات والمعوقات.