لا تجديد لقوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان، اليونيفيل. القرار اتخذ بهذا الشأن. لا عودة عنه. إذن، ما البديل؟ لا بديل، رغم الاتصالات الجارية لعدم ترك الجنوب في فراغ رسمي قانوني ومن دون حسيب أو رقيب وتحت سلطة الاحتلال الاسرائيلي وارتكاباته وتمدّده. هذا هو الهدف.
أين اتفاق الإطار؟ أين التزام إسرائيل به؟ أين الراعي الأساسي والضامن الذي اعتبره إنجازاً استثنائياً؟ أميركا هي أميركا. الموضوع توقف هنا وثمة تسليم بعدم فعل أي شيئ لأننا لا نزال في "الموسم الانتخابي"، "لا نريد فعل شيء أو ممارسة أي ضغط كي لا يقال إننا نتدخل في مسار هذا الموسم"! هذا هو العذر والتبرير الذي يغطي عملياً ما تقوم به إسرائيل من تفجيرات تلامس حدود الهزات الأرضية المفتعلة في عدد من القرى والتلال وتخطط للمزيد منها. مجدداً توغلت دبابات وآليات إسرائيلية في دير ميماس وبرج الملوك ومرجعيون. صدرت تحذيرات للأهالي "بعدم الذهاب إلى حقول الزيتون" ونحن في موسم الزيتون والزيت. ما سلم من الأشجار ولم يجرف يجب عدم الاستفادة منه، عملية إذلال للناس مفتوحة بأشكال مختلفة واستفزاز دائم وترهيب وترويع وتحدِ للدولة اللبنانية وتجاوز لاتفاق الإطار والهدف الثابت الجيش اللبناني. يستمر الهجوم على قيادته، تُتهم ظلماً باتهامات شنيعة، كأن الجيش هو من افتعل كل ما يجري، وتلكأ في القيام بواجباته رغم إشادات هيئات التحقيق، والميكانيزم الأميركية، والوفود الأميركية التي زارت لبنان والجنوب، التي يسلَّم مسؤولوها بشكل دوري تقارير عما أنجزه الجيش. وفي مرحلة معينة أطلقوا تصريحات عن إنجازات تحققت خلال خمسة أشهر ولم يتحقق شيء منها خلال 15 عاماً. المطلوب أن يعمل الجيش في خدمة إسرائيل. هي المحتل، "هي المنتصر" على حد قول الإسرائيليين وبعض اللبنانيين للأسف! "إسرائيل تريد ضمان أمنها" "نحن اعتدينا عليها" "نحن افتعلنا الحرب" "إسرائيل لا تريد العودة إلى ما كانت عليه" "نحن لا نريد عودة الجنوب إلى ما كان عليه" "يجب حصر السلاح ولو بالقوة"، هذا ما يقوله هؤلاء اللبنانيون و"بيت القصيد" واحد، محدّد منذ زمن طويل. المطلوب دم، "دم لبناني"، الإسرائيلي قال ذلك علناً.
يعني مطلوب دفع الجيش إلى صدام مع الأهالي. ليس مريحاً اطمئنان الناس للجيش في الجنوب ورغم الإشادة النظرية بالنداءات التي صدرت عن أهالي عدد من القرى والمدن فهي غير كافية. المطلوب استكمال الحرب "يجب أن نتخلص منهم". والكلام هنا لا يعني حزب الله فقط. المقصود به الطائفة الشيعية الكريمة. نعم هذا ما قيل وما يقال في لقاءات رسمية وجلسات نقاش على طاولات محلية وفي منتديات غربية وأميركية. فهل يضمن ذلك أمناً واستقراراً في الداخل؟ وها هو سموتريتش يعلن "أود أن نصل في لبنان إلى نهر الليطاني". ويتزامن كل ذلك مع الانكفاء عن تقديم المساعدات المطلوبة للجيش، وهو يتحمّل مسؤولية الأمن في عدد من المناطق في الجنوب، ويخطط لمزيد من التوسّع والانتشار لبسط سلطته على أرض لبنانية تنسحب منها اسرائيل، ويتحمّل مسؤولية أمن الداخل، وضبط الحدود، وحماية مؤسسات الدولة والمواطنين، وتعقّب منتجي ومروّجي ومتعاطي المخدرات. ما قدّم للجيش من بعض الدول مشكورة لا يرقى إلى مستوى توفير الإمكانات المطلوبة له، فضلاً عن حاجته إلى عديد إضافي. وعلى الشاشات "خبراء" "ومحللون" يقدّمون "دراسات ومعلومات" عن تواجد الجيش في "المناطق التجريبية" ودوره وانتشاره على الطرقات. وكي لا نعمّم الغالبية تؤيد فكرة "التخلّص منهم" "الوطنية اللبنانية" "والسيادة اللبنانية" و"الحرية اللبنانية" "وتميّز الإعلام اللبناني" "والدبلوماسية اللبنانية العريقة" عناوين "يغطي ويبرّر بعض منظّرينا ما تقوم به إسرائيل لتنفيذ خطة التخلّص، واهمين أن النجاح في هذه المهمة خدمة للبنان وأمنه واستقراره. أما الحقيقة: "لا مجال للنجاح هنا". الشيئ الوحيد الذي يتحقق: الفوضى. الانهيار. المزيد من الخراب والدمار. تكريس التخلّي عن لبنان. وهذا سيدفع ثمنه كل اللبنانيين.
الشيعة طائفة أساسية كريمة شريكة في البلد، فيها طاقات وإمكانات ونخب وأصحاب كرامات وعطاءات وعلم وثقافة وأدب وحضور على مستوى الدولة وفي دول الاغتراب، والتزام بالجنوب بالأرض بلبنان رغم كل ما جرى. لا يجوز التعامل معهم بخلفية الفكرة المدمّرة الجهنمية التي لا تحمل إلا الحقد والكراهية وذلك لا يصب إلا في مصلحة إسرائيل عن قصد أو غير قصد.
لقد فوجئ عدد من مندوبي الدول الذين حضروا مؤتمر باريس لدعم الجيش واطّلعوا على المداولات الجارية بشأن تطبيق مضمون "اتفاق الإطار" ودعم الجيش للقيام بواجبه، ولا يرغبون في استمرار العدوان الاسرائيلي على لبنان، فوجئوا ببعض المقاربات التي قدمت والمواقف التي أطلقت من قبل ممثلي بعض الدول. حسناً فعل رئيس الجمهورية بتثبيت الموقف بوضوح ومرارة: "لقد قدمنا كل شيئ. ولم تقدموا شيئاً. وإسرائيل تتمادى". وإزاء توقف المفاوضات ولإبقاء "شعرة معاوية" موجودة، كان لقاء سفيري إسرائيل ولبنان في واشنطن. لكن أسئلة بدأت تطرح حول جدوى المفاوضات مع استمرار إطلاق يد إسرائيل، وأعقب ذلك إشارات رئاسية واضحة في عدد من التصريحات التي تلت ذلك ومقالة مستشار الرئيس التي أثارت تساؤلات كثيرة في أوساط المؤيدين نظرياً، وبخلفيات مبيّتة مبدأ التفاوض واتفاق الإطار.
إن المطلوب اليوم وقف خطاب استهداف طائفة كريمة وحصر الكلام سياسياً بأدب ووضوح، والتعبير عن الموقف بما لا يعمّق انقساماتنا في البلد. ميزة أصحاب الحق والحجة والمنطق وقوة الموقف هنا، أما الابتذال والشتيمة والإسفاف والانحدار إلى مستوىً غير أخلاقي أحياناً وبعيداً عن العقل والوطنية والسيادة والحق في ممارسة حرية التعبير والتفكير، فهذا مسمّ للعقول والنفوس ومدمّر للوحدة الوطنية.
على مستوى الدولة، المطلوب الاستفادة من تجربة الأشهر الماضية بعد توقيع الاتفاق، والسعي الجدي لبلورة خطاب وموقف يؤكد موقف الدولة والالتزام بقرارات الحكومة ويترجم بمزيد من الانفتاح والتشاور مع كل القوى المعنية. المطلوب حركة استيعابية تصحّح الشوائب التي أثرت سلباً في المرحلة السابقة. وفي هذا السياق ينبغي أن يكون حزب الله كقوة سياسية أساسية في البلد أكثر انفتاحاً وهدوءاً في أدائه وتفاعله مع الدولة وقوى أساسية شريكة في البلد، ويقدّر الظروف السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية ومعاناة الناس وقدرتهم على التحمّل والصمود، والأهم خطورة ترك لبنان من الخارج وتطورات الإقليم التي لا تجعله في موقع الأولوية والاهتمام، وهذا يكرّس إطلاق يد إسرائيل من جهة وانقساماً وفوضى في الداخل. والأمران عنصران خطيران على لبنان كله من جهة ثانية.
أما الذين وعدوا بمساعدات فور انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة يرضون عنهما، وبعد ما أقدم عليه الرئيس والحكومة، فلا يجوز أن يبقوا بعيدين عن تقديم الدعم المطلوب. المستفيد الأول من كل ما يجري إسرائيل التي تريد حصر الاستفادة بها مما يجري في الاقليم وفي عدد من دوله الأساسية، التي دخلت وستدخل معها دول أخرى في متاهة ستكون كلفتها كبيرة جداً .
مساعدة لبنان التزام في الأساس ومصلحة للجميع. فالى متى يستمر هذا التخلّّي عنه؟ وللذين ينتظرون الانتخابات الاسرائيلية أكرر القول: إذا شعر نتانياهو باحتمال الخسارة سيشعل المنطقة كلها. وإذا نجح فلن يوقفه أحد. آخذين بعين الاعتبار أن عدداً من منافسيه يحملون الأفكار ذاتها وبعضهم أخطر منه، فلا يراهنّن أحد على متغيرات جوهرية في ظل هذا الانهيار العربي الخطير والحروب العربية - العربية، وتفكّك دول، ودول أخرى تعاني تحديات ومشاكل كثيرة والنار في كل مكان.