16 ربيع الثاني 1448

الموافق

الثلاثاء 29-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة من غزة إلى سوريا: كيف تُهندس "إســــــــرائيل" بيئة ما بعد الحرب؟
من غزة إلى سوريا: كيف تُهندس "إســــــــرائيل" بيئة ما بعد الحرب؟
فؤاد بوجي
2026-09-29
من غزة إلى سوريا: كيف تُهندس "إســــــــرائيل" بيئة ما بعد الحرب؟

 

ثمة سؤال يتجاوز تفاصيل الحروب المتلاحقة في المنطقة: ماذا تريد إسرائيل أن يبقى قائماً بعد أن تتوقف المعارك؟ فالمشهد الذي يتشكل حول غزة ولبنان وسوريا يوحي بأن تل أبيب لا تتعامل مع هذه الساحات كملفات منفصلة، بل كمساحات مترابطة لإعادة ترتيب البيئة الأمنية المحيطة بها.

في غزة، لم يعد النقاش محصوراً في كيفية إنهاء الحرب، بل في شكل القطاع الذي سيبقى بعدها: من يديره؟ من يضمن أمنه؟ وكيف تُمنع عودة البنية العسكرية التي كانت قائمة قبل الحرب؟ وبذلك تحاول إسرائيل تحويل نتائج الحرب إلى ترتيبات أمنية وسياسية تمتد إلى ما بعد وقف إطلاق النار.

وفي لبنان، تبدو المسألة أكثر ارتباطاً بالحدود والسلاح. فالمطلوب إسرائيلياً ليس فقط وقف المواجهة مع حزب الله، وإنما منع عودة الظروف التي سبقتها. ومن هنا تأتي الضغوط المتعلقة بالانتشار العسكري والسلاح والوجود جنوب الليطاني. لكن تحويل هذه الوقائع إلى صيغة مستقرة يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها، وبمدى استعداد الأطراف الدولية والإقليمية لضمان أي ترتيبات جديدة.


أما سوريا، فتقدم النموذج الأكثر وضوحاً لمحاولة نقل نتائج القوة العسكرية إلى طاولة التفاوض. فمنذ سقوط نظام بشار الأسد، حافظت إسرائيل على وجود عسكري في مواقع داخل الأراضي السورية، بالتزامن مع اتصالات ومسار تفاوضي برعاية أميركية لخفض التصعيد والبحث في ترتيبات أمنية جديدة.سياحة لبنان

وهنا تصبح الصورة أكثر ترابطاً. فإسرائيل تريد في غزة منع إعادة بناء تهديد عسكري، وفي لبنان تقليص قدرة حزب الله على استعادة بنيته الهجومية، وفي سوريا منع تشكل بيئة يمكن أن تستخدمها إيران أو قوى أخرى لتهديدها. تختلف الأدوات من ساحة إلى أخرى، لكن القاسم المشترك هو محاولة بناء بيئة أمنية إقليمية أقل قدرة على مفاجأة إسرائيل وأكثر ارتباطاً بشروطها الأمنية.

غير أن هذا المشروع يواجه مشكلة أساسية: القوة تستطيع تغيير الوقائع بسرعة، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج شرعية سياسية دائمة. فالمناطق العازلة والانتشار العسكري والضمانات الأمنية قد تخفض مستوى الخطر لفترة، لكنها لا تحسم قضايا السيادة والحدود ومستقبل الدول والمجتمعات المعنية.تصفح الخرائط الجغرافية

وهنا تحديداً سيكون الدور الأميركي حاسماً. فإذا كانت واشنطن قادرة على تحويل الضغوط الإسرائيلية إلى تفاهمات مقبولة إقليمياً، فقد تنتقل المنطقة إلى مرحلة من الترتيبات الأمنية المتبادلة. أما إذا بقيت كل ساحة أسيرة لمنطق القوة والردع، فقد تتحول الوقائع الجديدة إلى خطوط تماس مؤجلة لا إلى تسويات فعلية.

لذلك، فإن ما يجري من غزة إلى لبنان وسوريا قد لا يكون مجرد نهاية متدرجة لحروب متتالية، بل بداية معركة سياسية على شكل المنطقة بعد الحرب. والسؤال الأهم ليس ما الذي تستطيع إسرائيل فرضه الآن، بل ما إذا كان يمكن تحويل ما تفرضه القوة إلى نظام إقليمي قادر على الاستمرار.

فبين هندسة الأمن وإنتاج السلام مسافة كبيرة، وربما تكون هذه المسافة هي الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة.

أخبار مماثلة