16 ربيع الثاني 1448

الموافق

الثلاثاء 29-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "ميزان الذهب"!
"ميزان الذهب"!
القاضي م جمال الحلو
2026-09-29
"ميزان الذهب"!

يُحكى في خبايا الزمن وخفايا المحن أنّ رجلًا يُدعى «ميمون» كان يملك حديقةً غنّاء، يحيط بها قصرُه الذي كان يُعدّ من أجمل القصور في ولاية «دندبور». وكانت هذه الولاية يحكمها والٍ يُدعى «شافط بن جبّار».

وذات يوم، أقدم أحد الأشخاص، وقد مات كلبُه المدلّل، على دفن الكلب في حديقة ميمون من دون علمه. وما إن علم ميمون بالأمر، حتى تقدّم بشكوى عاجلة أمام الوالي «شافط»، مطالبًا باستخراج جيفة الكلب من حديقته، وتعويضه بألف دينار ذهبي.

ولمّا حضر المشكوّ منه أمام الوالي، سأله هذا الأخير:

— هل دفنتَ كلبًا في حديقة ميمون، أيّها المجنون؟!

فأجاب الرجل:

— سيّدي الوالي، لستُ بمجنون، وقد دفنتُ الكلب في حديقة ميمون تنفيذًا لوصيّته، وما فعلتُ إلا ما أُوصيتُ به.

فقال الوالي:

— ويحك! أتدفن كلبًا نجسًا في حديقة ليست لك، ومن دون علم صاحبها، ثمّ تستهزئ بي؟!

فأجاب المشكوّ منه:

— سيّدي الوالي، لقد أوصى الكلب بألف دينار ذهبي لوالي «دندبور»، وهذه الألف دينار هي تنفيذٌ لوصيّته.

عندها تغيّر وجه الوالي، وقال:

— رحم الله الكلب الفقيد، وسيبقى مدفونًا في مكانه، لا يُمسّ بسوء.

فتعجّب ميمون، ومعه بعض حاشية الوالي، من هذا الحكم الغريب. فقال لهم الوالي «شافط»:

— لا تتعجّبوا؛ فقد تأمّلتُ في شهادة الكلب التي أرفقها المشكوّ منه، فوجدتُ أنّه من نسل كلب أصحاب الكهف!

وهنا ساد المجلس صمتٌ ثقيل، كأنّ الحقّ قد وُئد بين جدرانه، وغابت العدالة خلف ستارٍ من ذهب. فكم من حكمٍ انحرف عن ميزانه حين مالت كفّتُه أمام بريق المال، وكم من حقٍّ ضاع لأنّ ضمائر بعض القائمين على الحكم أُغرِقت في وهج الدنانير.

وعلى الفور، خرج ميمون من مجلس الوالي يجرّ أذيال الخيبة من حكمٍ جائر، وقد بدا حزينًا متأثّرًا بما حدث. وأخذ يحدّث نفسه قائلًا:

«إنّ المال قد يُغيّر النفوس، ولا سيّما إذا كانت فاسدةً في أصلها، وما دامت ولاية «دندبور» يحكمها «شافط»، فلن يُرجى فيها عدلٌ، ولن تُقام فيها موازين الحقّ.»

جنوبيات
أخبار مماثلة