لم يكن تلفزيون لبنان مجرد شاشة تبثّ الصورة والصوت، بل كان الأب المؤسس للإعلام المرئي في لبنان، والأم الحاضنة لكل عائلة لبنانية اجتمعت حولها، والعائلة الواحدة التي جمعت أبناء الوطن على اختلاف طوائفهم ومناطقهم. ومن موقعي الأكاديمي، والتأصيل الفقهي في قيام دولة لبنانية للجميع، أرى أن الولاء يجب أن يكون لها أولاً وآخراً، وحتى قيام الساعة. هذا ليس شعاراً عاطفياً، بل التزام قانوني دستوري، لأن الدولة وحدها هي الإطار الجامع الذي يحمي الحقوق ويصون الحريات ويضمن العيش المشترك. ومن هنا، فإن تلفزيون لبنان مطالب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن يقوم بدور فعّال جداً في التوعية، وأن يقود الوعي في المجتمع لجهة الولاء للدولة، لا أن ينقاد عبر دعاية موضوعية تتدفق من وسائل التواصل الجمعي التي لا تخضع لمعايير المسؤولية الوطنية.
أولاً: في المرجعية القانونية الدستورية لولاء الدولة
إن الدستور اللبناني، في مقدمته وفي نصوصه، يقرر أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، وأن الشعب اللبناني واحد في أصوله وفي مصيره. وهذا النص الدستوري ليس مجرد عبارة إنشائية، بل هو قاعدة آمرة تعلو على كل الخطابات الفرعية والانتماءات الجزئية. ومن هنا، فإن على تلفزيون لبنان، بصفته التلفزيون الرسمي للدولة، أن يترجم هذه القاعدة إلى خطاب يومي وبرامج هادفة ومناهج توعوية. فالولاء للدولة ليس ترفاً فكرياً، بل هو شرط بقاء الكيان، وضمانة السيادة، وسدّ الذريعة أمام كل دخيل يحاول العبث بالنسيج الوطني. والدخيل على لبنان، تاريخياً وحاضراً، هو من خرب لبنان، لأنه استثمر في الانقسامات وضخّ في الفرقة، فكانت النتيجة أن ضعف الولاء للدولة وحلّ محله الولاءات الضيقة.
ثانياً: في التربية الوطنية والتنشئة الوطنية
التربية الوطنية ليست مادة تُدرَّس في المدارس فحسب، بل هي مشروع مجتمعي شامل يقوده الإعلام الرسمي بالدرجة الأولى. وتلفزيون لبنان، بصفته تلفزيون العائلة وتلفزيون الدولة، مطالب بأن يعرّف بلبنان الأصيل، لا لبنان المشوّه الذي رسمته الدعايات المموّلة والخطابات الطائفية. عليه أن يقود التربية الوطنية والتنشئة الوطنية، وأن يبرز الحضارة اللبنانية في شتى مجالاتها: من الفينيقيين إلى ميخائيل نعيمة الذي عاش بين لبنان والمهجر، جسّد في أدبه ذلك التوتر الخلاق بين الأرض والانتماء، وبين الحرية والمسؤولية، وهو نموذج يجب أن يُبرز في فقرات خاصة عن المبدعين، لا أن يُترك للأرشيف المنسي. وغيره كثر من العمالقة اللبنانيين.
ثالثاً: في صناعة الفن الأصيل والتعبئة الوطنيةاشتر خرائط
إن على تلفزيون لبنان أن يضع نهجاً واضح الطريق للتعبئة الوطنية والترشيد، وأن يخصص فقرات مهمة عن الإبداعيين في شتى المجالات. فالفن الأصيل ليس ترفاً، بل هو ذاكرة الأمة ومرآة هويتها. ولبنان، الذي أنتج كبار المفكرين قادر على أن ينتج الابداع في شتى مجالاته في خدمة الدولة الذي يخدم الوطن عبر الدولة. وهنا تبرز الفلسفة: كما أن الإنسان لا يولد وطنياً بل يصبح وطنياً بالتربية والوعي، فإن التلفزيون الرسمي هو المدرسة التي تصنع هذا الوعي. والولاء للدولة لا يُفرض بالقانون وحده، بل يُبنى بالخطاب والفن والتربية. وإذا كان الدستور يقرر أن الشعب اللبناني عائلة واحدة أصولاً، فإن على تلفزيون لبنان أن يترجم هذه العبارة إلى صورة، وإلى أغنية، وإلى برنامج، وإلى وجدان جماعي.
رابعاً: في المسؤولية والمحاسبة
إن على تلفزيون لبنان مسؤولية كبرى، ولا يجوز أن يقصّر في أدائها. ومن يقصر في هذا المرفق الوطني، من إدارات وموظفين ومعدّين ومخرجين، يجب أن يُحاسب، لأن الإخلال بواجب التوعية الوطنية ليس خطأً مهنياً عابراً، بل هو إخلال بالأمانة الدستورية. ولا يمكن أن نطالب المواطن بالولاء للدولة بينما الدولة نفسها لا تولي تلفزيونها الرسمي الاهتمام الخاص والمميز الذي يستحقه. إن تلفزيون لبنان الأصالة يحتاج إلى دعم مالي وتقني وبشري، وإلى استقلالية عن التجاذبات، وإلى رؤية استراتيجية تجعله في طليعة المؤسسات الوطنية.
إن الدولة هي خشبة الخلاص. هذه العبارة ليست شعاراً، بل خلاصة تجربة لبنانية طويلة من الحروب والانقسامات والاحتلالات والتدخلات. فكلما ضعف الولاء للدولة، قوي الدخيل، وكلما قوي الدخيل، خرب لبنان. ومن هنا، فإن إحياء تلفزيون لبنان وإعادة الاعتبار لدوره هو إحياء للدولة نفسها، وإعادة الاعتبار للولاء الوطني الجامع. إن الشعب اللبناني عائلة واحدة أصولاً، وتلفزيون لبنان هو بيت هذه العائلة، ومنبر هذه الوحدة، وصوت هذه الدولة.
وعليه، فإننا نطالب بأن يكون تلفزيون لبنان في صدارة الأولويات الوطنية، وأن يمنح الاهتمام الخاص والمميز الذي يستحقه، وأن يُطلق نهجاً واضحاً للتعبئة الوطنية والترشيد والتربية الوطنية، وأن يبرز الحضارة اللبنانية والمبدعين أمثال ميخائيل نعيمة و مارون عبود ، و محافظات لبنان كلها ابداع و مفكرين ,تشكل اجزاء و لبنان هو الكل (متى نتعلم ذلك) على سبيل المثال لا الحصر، وأن يجعل من الولاء للدولة أولاً وآخراً وحتى قيام الساعة رسالة يومية. وإن لم يفعل، فلا أقلّ من محاسبة كل من يقصر، لأن الأمانة الوطنية لا تحتمل التهاون، والدولة التي لا يصنع إعلامها الرسمي وعيها، تترك وعيها لمن لا يريد بها خيراً.