الإصلاح في لبنان يتخطّى تطبيق خطة اقتصادية أو شروط المؤسسات الدولية. الإصلاح يتطلب فهم جذور المشكلة التي تتجاوز الأزمة السياسية والاقتصادية، وتشمل القيم والسلوكيات والتقاليد التي أنهكت قدرة البلد ولا تزال تمنعه من تحقيق التقدم والاستقرار. وهذه مسألة فلسفية تطرح أسئلة أساسية عن ماهية الدولة، وماذا تعني المواطنة، وكيف انهار العقد الاجتماعي، والأهم من ذلك، كيف أصبح الفساد نمط تفكير يومي يتقبله ويعيشه ويمارسه المواطن اللبناني. أيّ محاولة للإصلاح يجب أن تبدأ على مستويين مترابطين وهما: إصلاح هيكل الدولة، وتغيير الطريقة التي يُنظر بها إلى الفساد. غالباً ما يُختصر الإصلاح في لبنان بخطاب مكافحة الفساد، لكن هذا الفساد هو نظام قائم على قبول ضمني من مجتمع أصبح معتاداً على التعايش معه. هنا تكمن المشكلة الحقيقية: كيف نصلح فساداً أصبح جزءاً من حياتنا اليومية؟ لذلك، الإصلاح يتطلب إعادة بناء طريقة تفكير المواطن بشرعية الدولة وطريقة عمل مؤسساتها، وهذا يتطلب النظر إلى أفكار الفلاسفة الذين بحثوا في هذه المفاهيم والتي ترتكز على العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة.
أولاً، إصلاح شرعية الدولة: يعتقد ماكس فيبر في محاضرته الشهيرة بعنوان «السياسة كمهنة» أن الدولة هي الجهة الشرعية الوحيدة التي تحتكر استعمال القوة ضمن الإطار القانوني. في لبنان، يتآكل هذا الحق بسبب نفوذ قوى سياسية وطائفية متعددة، ما أدّى إلى تقسيم السلطة وتوزيع القرار بين جهات متنافسة. أما توماس هوبز في كتابه «الليفياثان»، فأشار إلى أن مهمة الدولة تكمن في ضمان الاستقرار وحماية المجتمع من الفوضى، لكن المواطن اللبناني يعتبر أن الدولة لا تحميه. أما جون لوك في مقالته الثانية من كتابه «مقالتان في الحكم المدني»، فربط شرعية الدولة بحماية الحقوق الأساسية، لكن عندما تُحتجز أموال المودعين وتنهار قيمة العملة وتتراجع الخدمات الأساسية وتُفرض المزيد من الضرائب والرسوم، تضعف فكرة العقد الاجتماعي. ويطرح جان جاك روسو، في كتابه «العقد الاجتماعي» سؤالاً حول وجود مصلحة عامة حقيقية؛ أي هل هناك إرادة وطنية تتجاوز الانتماءات السياسية والطائفية؟ من هذا المنطلق، يكون الإصلاح بإعادة بناء العقد الاجتماعي من جذوره على أساس المواطنة التي تتخطى الانتماءات والمصالح الضيقة.
ثانياً، إصلاح العدالة: لا يمكن لأي إصلاح أن ينجح دون وجود عدالة حقيقية. يقترح جون رولز في كتابه «نظرية في العدالة» مفهوماً يركّز على ضمان الحريات الأساسية وحماية الفئات الأضعف. في لبنان، تكبّد المجتمع الخسائر بينما حُمِيت مصالح أصحاب النفوذ، ما أدّى إلى شعور بالظلم. أما فيما يتعلّق بالعلاقة بين المال والسلطة، يرى كارل ماركس في «البيان الشيوعي» أن الدولة تتحول إلى أداة بيد طبقة معيّنة، ما يجعل الإصلاح مقاومة لنظام مصالح يرفض التغيير. العدالة تعني احترام كرامة المواطن، أما في لبنان، فيشعر المواطن بالإهانة يومياً أمام البنوك والمؤسسات الحكومية، وأصبح الإصلاح إعادة للكرامة قبل أن يكون إعادة هيكلة مالية أو إدارية.
ثالثاً، إصلاح الفساد في النظام: الفساد في لبنان أعمق من مجرد رشاوى أو صفقات مشبوهة بل أصبح جزءاً من أسلوب حياة المواطن. تؤكد حنة آرندت في كتابها «في العنف» على ضرورة التمييز بين السلطة والقوة، مشيرة إلى أن السلطة الحقيقية تعتمد على قبول المواطنين؛ فعندما تختفي ثقة المواطن بدولته، يحل منطق المحسوبية محل القانون والزبائنية محل الحقوق المكتسبة. ويضيف ميشال فوكو في كتابه «المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن» أن الفساد ليس قراراً صادراً عن الدولة، بل هو ممارسة اجتماعية تتكرّر في الحياة اليومية حيث يصبح أمراً طبيعياً خاصةً عندما يرى المواطن أن الواسطة ضرورة، وأن التهرب الضريبي حنكة وذكاء. وبهذا تتشكل بنية ذهنية مستدامة تعيد إنتاج نفسها، وهو ما يشير إليه بيير بورديو في كتابه «مخطط لنظرية الممارسة» بمصطلح الهابيتوس «Habitus» حيث يتحول الفساد إلى وسيلة للبقاء في دولة لا تحمي حقوق مواطنيها. في ظل عقد اجتماعي مكسور، يعتمد المواطن منطقاً دفاعياً بقوله: الدولة تسرقني، فلماذا لا أسرقها؟ لن ينجح الإصلاح في لبنان إذا اقتصر على معاقبة بعض المسؤولين بينما يظل المجتمع متسامحاً مع الواسطة والمحسوبية. بحسب جان جاك روسو في مقالته «الاقتصاد السياسي»، المواطن الصالح هو الذي يفضل المصلحة العامة على مصلحته الخاصة.
رابعاً، إصلاح الأخلاق: يؤكد إيمانويل كانط في كتابه «أسس ميتافيزيقا الأخلاق» أن الفعل الأخلاقي يجب أن ينبع من الواجب لا من المصلحة الشخصية. في لبنان، يسود نمط المنفعة الشخصية قبل أي شيء، والسعي إلى تحقيق الربح الفردي السريع، ما يؤدي في النهاية إلى خسارة جماعية. كل شخص يبرر مخالفته أو رشوته الصغيرة، لكن تراكم هذه المخالفات يؤثر سلباً على استقرار الدولة. عندما يقبل الموظف الرشوة نتيجة للضرورة، يحصل على منفعة فردية، لكنها في الوقت نفسه تؤدي إلى تقويض المصلحة العامة. لذلك، يتطلب الإصلاح، إضافةً إلى النظر في رواتب الموظفين، إعادة بناء الأخلاق العامة التي تجعل الفرد يتعلم أن احترام القانون فضيلة وليس سذاجة أو حماقة. فالمخالفات الصغيرة يمكن أن تُعتبر غير مؤثرة في نظره، لكن تراكمها يدمّر ثقة المواطن بالدولة. لذلك، من الضروري العمل على تفكيك القناعات الراسخة عند المواطن اللبناني وإعادة تأسيس أخلاق مدنية تحث وتفرض احترام القانون كواجب أخلاقي ومدني.
خامساً، تثبيت فكرة المواطن الشريك: العلاقة بين السياسي والمواطن غالباً ما تكون علاقة زبائنية، حيث يقدّم السياسي خدمة مقابل الولاء، وهذه العلاقة تضر الطرفين، وبالتالي تضر الدولة. في هذا السياق، يشير يورغن هابرماس في كتابه «التحول البنيوي للمجال العام» إلى أهمية وجود مساحة عامة تتيح الحوار العقلاني بين المواطنين. في غياب ثقافة المساءلة، يتحول المواطن إلى متلقّ للخدمات بدلاً من أن يكون مشاركاً في اتخاذ القرارات. يتحقّق الإصلاح عندما يطالب المواطن بحقوقه لا مجرد طالبٍ للخدمة، ويكون شريكاً في العملية بدلاً من التبعية والولاء الأعمى.
سادساً، إصلاح التربية والتعليم: يشير باولو فريري في كتابه «تعليم المقهورين» إلى أن للتعليم دور مزدوج، حيث يمكن أن يعيد إنتاج القمع والقبول بالواقع القائم، أو أن يحرر الإنسان. إذا لم يُدرّس مفهوم المواطنة والواجب المدني، سيبقى الإصلاح هشاً وغير مستقر. التغيير الثقافي يتطلب تعليماً نقدياً يركّز على مساءلة السلطة، وهنا نصل إلى أخطر جوانب الأزمة وهو الفساد المتأصل في العقلية اللبنانية، ويمكن الاستشهاد بأفكار أنطونيو غرامشي حول الهيمنة الثقافية في كتابه «دفاتر السجن» إذ يرى أن الهيمنة تمتد إلى مجالات الفكر والثقافة والسياسة. لذلك يجب على المناهج الدراسية في لبنان المباشرة في تعليم التفكير النقدي وتنميته لكي تُنتج مواطناً لا يتقبل الزبائنية والواسطة. يضاف إلى ذلك، تعليم كيفية مواجهة الفساد وعدم تبريره أو التسامح معه، وثقافة مدنية توضح أهمية الضرائب والخدمات العامة في ظل قضاء يطبّق القانون بعدالة.
في الختام، الإصلاح في لبنان يتطلب، بالإضافة إلى محاسبة المرتكبين، إعادة تشكيل الوعي العام نحو قيم جديدة تعزز المواطنة والشفافية. يبدأ الإصلاح باستعادة سيادة القرار وإعادة بناء الدولة على أساس عدالة واضحة، ويمر عبر تثقيف المواطن وتعليمه ولا يكتمل إلا بتفكيك القناعات الراسخة في فكر الأفراد وسلوكهم. فالدولة الفاسدة تُنشىء مواطناً فاسداً، والمواطن الفاسد بدوره يعيد إنتاج الدولة الفاسدة. هذه الحلقة المغلقة تُكسَر عندما يدرك الفرد أن مخالفته الصغيرة تؤذي المصلحة العامة، وكسر هذه الحلقة يتطلب شجاعة أخلاقية من الجميع. في هذا السياق، تحاول الدولة بقيادة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة القاضي نواف سلام، العمل على إصلاح الوطن، لكن لبنان يحتاج إلى فلسفة إصلاح تعيد بناء الدولة وتعطي أهمية لتثقيف المواطن، بحيث يصبح القانون المرجع الأعلى بدل الطائفة أو الانتماء السياسي. لذلك، يتحقّق الإصلاح الحقيقي عندما يرفض المواطن الواسطة مهما خسر شخصياً، ويدفع الضريبة حتى وإن كان غير راضٍ عن أداء الدولة، ويصوّت بناءً على برنامج واضح بدلاً من الانتماء الأعمى. الإصلاح في النهاية يعد تحولاً أخلاقياً جماعياً، ينتقل فيه المجتمع من منطق الفردية إلى منطق المسؤولية المشتركة. عندها فقط يمكن أن يصبح الإصلاح واقعاً حقيقياً، لا مجرد خطاب أو شعار سياسي يُستعمل عند الحاجة.