لم يكن مستغرباً كلام الذين حضروا مستقبِلين رئيس الحكومة نواف سلام في مدينة النبطية: "نحنا معك، معك لآخر نفس". ومن حرقة القلب، وقفت تلك السيدة الجنوبية تلوّح بالصورة لشهيدين، وتبادله الحديث قائلة: "نحنا صرنا كربلاء هون، بدنا نفتح صفحة جديدة، نوابنا عطوك الثقة"، ثالثة دعته، بحرقة، إلى مرافقتها إلى النبطية الفوقا، حيث قبر وحيدها الذي يمنعها العدوان الإسرائيلي من زيارته.
هي الزيارة الثالثة لرئيس الحكومة إلى الجنوب، وقد أمضى ساعات لا بأس بها بين الجنوبيين، صافحهم واستمع إلى قهرهم، وتعرّف عن قرب إلى عطش هؤلاء إلى ملاقاة دولتهم واحتضانها، ليستريحوا ويأنسوا إلى وجودها بينهم.
شكّلت الزيارة محطة مفصلية بكل تفاصيلها، بدءاً من الشكل وصولاً إلى مضمون الكلام والمواقف. يكفي أن سلام حضر حيث غاب كثيرون، وأنه أصرّ على الاستماع إلى هموم الناس التي غابت عن مسامع كثير من نواب المنطقة وسياسييها، والذين حاول بعضهم ثني الناس عن الحديث بالأمس، لاعتقاده أن الظرف غير مؤاتٍ.
ورغم الجراح التي لم تندمل بعد، بدأت الناس تحاسب من غاب عن تشييع شهدائهم، ومن بينهم شهداء أمن الدولة وشهداء مجزرة كفررمان. بعض من غاب معذور، فيما يكاد يكون عذر البعض الآخر عن غيابه أقبح من الذنب نفسه.
حضر سلام حيث غابت القوى السياسية التي كرّست حضورها لسنوات طويلة في صناديق الاقتراع. وكانت من أكثر محطات سلام وجدانية زيارته لإمام النبطية الشيخ عبد الحسين صادق، الذي يحمل همّ النبطية وأهلها على كاهله، ويصمّم على ضخ الحياة في مدينته.
على أبواب الذكرى السادسة لعملية "طوفان الأقصى"، تبدو البيئة الشيعية في لبنان، ولا سيما في الجنوب والبقاع، أمام أسئلة لم تكن تُطرح بهذه الحدة قبل سنوات.
فعلى مدى عقود، تمدّد حضور الثنائي الشيعي إلى معظم تفاصيل الحياة العامة في هذه المناطق، من التمثيل السياسي إلى الخدمات الاجتماعية والصحية والاقتصادية، وصولاً إلى ملفات الأمن والحرب والسلم. وفي المقابل، تراجع حضور الدولة أو اختلط، في نظر كثيرين، بحضور القوى السياسية النافذة.
لكن سنوات الحرب والدمار والنزوح المتكرر تركت واقعاً مختلفاً. مدن وقرى جبل عامل دفعت أثماناً بشرية واقتصادية وعمرانية باهظة، فيما وجد عشرات الآلاف من أبنائها أنفسهم أمام السؤال الأكثر بساطة والأكثر عمقاً: متى تعود الحياة إلى طبيعتها في الجنوب؟
سؤال لم يجد الجنوبيون من يجيب عنه. تُرك هؤلاء لقدَرهم، من دون من يسأل عن احتياجاتهم أو يقف على وجعهم. هم المهجّرون الذين يئنّون من الوجع، ويعتاشون بالقليل ويحافظون على كرامتهم. أوفياء وشرفاء، أبواب بيوتهم مشرّعة، ولو صدّت أبواب العالم في وجوههم.
دلالة سياسية تتجاوز البروتوكول
تحمل زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى مدينة النبطية دلالة سياسية تتجاوز البروتوكول. فالمشهد اللافت ليس مجرد زيارة رئيس حكومة إلى حاضرة جبل عامل، بل أن يسمع من أهلها مطالب مرتبطة بالاستقرار والعيش وإعادة الإعمار وعودة الدولة إلى القيام بمسؤولياتها.
هنا تكمن المفارقة السياسية: المواطن الذي اعتاد أن يطالب القوى السياسية المحلية بتأمين حاجاته، بات يتوجه إلى الحكومة اللبنانية طالباً منها الحماية والاستقرار والخدمات وإعادة بناء ما دمّرته الحرب. أي أنه يعود، بصورة أو بأخرى، إلى مخاطبة الدولة بوصفها المرجع الطبيعي لهذه المسؤوليات.
وهذا التحول، إن كان يتجاوز اللحظة والانفعال الناتج عن الحرب، يطرح أسئلة صعبة على الثنائي الشيعي نفسه: كيف يقرأ نوابه ووزراؤه ازدياد مطالبة جمهورهم بالدولة؟ وكيف يتعاملون مع بيئة أنهكتها الحرب والنزوح والقلق الدائم، وأصبح مطلبها الأول أن تعيش في مدنها وقراها بصورة طبيعية؟
المسألة ليست انقلاباً سياسياً يمكن إعلان حصوله من مشهد واحد، ولا يجوز اختزال المزاج الشعبي بزيارة أو هتاف. لكنها إشارة تستحق القراءة. فالحروب لا تغيّر الخرائط العمرانية فحسب، بل قد تغيّر أيضاً علاقة الناس بالسياسة وبالدولة وفي بعض القوى التي تمثلهم.
والسؤال الأبعد يتصل بالمساءلة: من يتحمّل، سياسياً ومؤسساتياً، مسؤولية المسارات التي أوصلت مناطق واسعة إلى هذا القدر من الخسائر وعدم الاستقرار؟ وهل تتحول المطالبة بإعادة الإعمار إلى مطالبة بمراجعة الخيارات التي سبقت الدمار نفسه؟
أما الاختبار السياسي الأوضح، فسيكون في الانتخابات النيابية المقبلة. كيف ستصوّت النبطية وقرى جبل عامل الجريحة؟ هل ستعيد إنتاج أنماطها الانتخابية السابقة، أم أن سنوات الحرب والنزوح والدمار ستترك أثراً مختلفاً في خيارات الناخبين، وتنعكس على صناديق الاقتراع؟
قد تكون زيارة النبطية مجرد محطة في عمل الحكومة، وقد تكون مؤشراً إلى مسار أعمق: عودة الدولة إلى الجنوب، وعودة المواطن الجنوبي إلى الدولة. والناس ستحاسب عندما يحين أوان الحساب، وما تردّد صداه اليوم في النبطية قد لا يكون عابراً.
خطوة الألف ميل للحكومة باتجاه الجنوب بدأها سلام، على أن تكون خطوة صادقة، خالية من النكد السياسي، وألّا تتحول إلى مجرد رسالة إلى "الثنائي". فالأهم يبقى ما بعد الزيارة: بلورة الوعود وتحويلها إلى وقائع ملموسة على الأرض.