تضع مقترحات موازنة 2027 المواطن اللبناني أمام موجة إعادة تسعير غير مسبوقة للخدمات العامة والمعاملات الإدارية، بعدما قفزت ببعض الرسوم والتراخيص والامتحانات الرسمية إلى عشرات بل ومئات الأضعاف. ولعل المفارقة الأبرز في هذه التعديلات أنها لا تستند إلى أي دراسات علمية تظهر «الكلفة الحقيقية للخدمة»، ولا تهدف حتى إلى رفد الخزينة بمداخيل إضافية، إذ تتوقع أرقام الموازنة نفسها انخفاض حصيلة هذه الرسوم بنحو 41%، ما يجعل هذا العبء الإضافي مجرد جباية عشوائية تفتقر للمعيار المالي والعدالة الاجتماعية.اكتشف الثقافة
وفي ظل موازنة تعتمد بنسبة 86% على الضرائب والرسوم غير المباشرة وتفتقر إلى رؤية إصلاحية شمولية، يمس هذا الارتفاع خدمات حيوية وسيادية لا مفر منها كبطاقات الهوية والشهادات المدرسية، مما يضع الاستقرار الاجتماعي ومحدودي الدخل على محك خطر جديد، ويطرح علامات استفهام كبرى حول دور البرلمان ولجنة المال والموازنة في كبح هذه القفزات أو إعادة صياغة المشروع.
مصادر «المال والموازنة»: نرفض أي ضرائب جديدة والحل برؤية إصلاحية
من هذا المنطلق، تشير مصادر لجنة المال والموازنة لصحيفة «اللواء» إلى أنه «طالما أن مشروع موازنة العام 2027 لا يزال في الحكومة، فسننتظر الصيغة النهائية لإبداء الموقق النهائي منها، لكننا نأمل أن تكون إصلاحية ذات رؤية مالية وإقتصادية تؤسس لإعادة خلق نمو في البلد لا أن تبقى السياسة قائمة على الاستدانة لسد العجز».
وتؤكد المصادر «رفض أي ضرائب أو رسوم جديدة، وما رشح حتى الآن أن هناك رسوما كانت موجودة يتم تعديلها وفق سعر الصرف».
وفي سياق متصل، تتابع المصادر نفسها أنه «كان رئيس اللجنة ابراهيم كنعان قد اعتبر أن المواطن اللبناني ليس بإمكانه تحمل رسوم وضرائب جديدة. وان فرض أي رسوم أو ضرائب جديدة لسنا معه، وهو أمر لا يمر في المجلس النيابي»، قائلا: «لا تتعذبوا، فإذا تضمنت ضرائب جدية نحن لسنا معها. الضريبة تُفرّض ربطا بنمو وربطا بإقتصاد بدأ بالتعافي وليس بوضع قائم على أن ودائع المواطنين لا تزال محتجزة بالمصارف، والاقتصاد يتأثر بالحرب التي بلغت كلفتها نحو 50 مليار دولار. هذا ليس بوضع يتم في خلاله فرض ضرائب لأن ذلك يؤدي الى إنكماش وردة فعل سلبية على كل القطاع المالي والإقتصادي في البلد».اكتشف الثقافة
عجاقة: زيادة الرسوم الحكومية.. تمويل عاجل بغياب الاستراتيجية الاقتصادية
وأمام كل تلك المعطيات، يؤكد استاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية والباحث الاقتصادي لصحيفة «اللواء» جاسم عجاقة، أن «السبب الأساسي الذي دفع الحكومة إلى اتخاذ هذا الإجراء هو توليد تدفق نقدي فوري لتمويل الإنفاق التشغيلي الأساسي وكلفة رواتب القطاع العام. إذ أنه قبل زيادة هذه الرسوم، كانت تعرفة القطاع العام مرتبطة بسعر الصرف الرسمي (1,507.5 ليرة لبنانية مقابل الدولار). ثم مع إندلاع الأزمة، انتقل الاقتصاد الحقيقي إلى قيمة سوقية تبلغ حاليا حوالي 89,500 ليرة لبنانية مقابل الدولار، مما أدى إلى فجوة هائلة في التقييم الفعلي، وبالتالي قلّص حجم الإيرادات التي يمكن لخزينة الدولة تحصيلها فعليا من هذه التعرفة. ولم تقم الحكومة بإستخدام أدوات لتحليل التكاليف على المستوى الجزئي بهدف تطوير هياكل الأسعار بما يضمن تحقيق التسعير الأمثل القائم على التكلفة الحدية (أي سعر الكلفة) أو تحسين جودة الخدمة المقدمة للمواطنين. من هذا المنطلق، يمكن القول إن زيادة رسوم المعاملات العامة ورسوم الخدمات الإدارية بمعدلات تتراوح بين ضعف و200 ضعف قيمتها السابقة، أداة غير فعالة لإعادة التوازن المالي والتصحيح المالي خصوصا أنها تمّت من دون إجراء أي دراسات للتكلفة الفعلية للخدمات التي تقدّم للمواطنين».سياحة لبنان
"منحنى لافر" يفسر انخفاض الإيرادات؟
تتوقع أرقام الموازنة انخفاض حصيلة هذه الرسوم بنحو 41% رغم قفزات التسعير، وعن كيفية استيعاب هذا التناقض، يعتبر عجاقة أن «هذه المفارقة تظهر كيف أن رفع الأسعار (أو معدلات الرسوم) من 0% إلى 200% يؤدي إلى انخفاض إجمالي الإيرادات المحصلة بنسبة 41%؛ إذ يعود هذا الانخفاض في إيرادات الضرائب والرسوم الجمركية على السلع المستوردة إلى ديناميكيات «منحنى لافر»، وتحديدا إلى الميل الصاعد للمنحنى الذي يتجاوز نقطة الذروة التي تحقق أقصى قدر من الإيرادات».
ويضيف: «في ظل ظروف المرونة السعرية العالية للطلب حيث تتجاوز القيمة المطلقة للضرائب والرسوم إجمالي حجم المعاملات، تدفع الرسوم الجمركية المرتفعة للغاية اللاعبين الاقتصاديين إلى تغيير سلوكهم الاقتصادي حيث يلجؤون إلى تأجيل أو تقييد أو حتى إلغاء المعاملات الإدارية غير الضرورية، مثل تسجيل الممتلكات، وشهادات المصادقة، وتراخيص البلدية، وغيرها. وينتج عن ذلك، انكماش القاعدة الضريبية الرسمية نتيجة زيادة الرسوم، مما يؤدي إلى تحويل حجم المعاملات الرسمية الخاضعة للضرائب إلى معاملات ضمن الاقتصاد النقدي غير الرسمي. وبالتالي مع إستمرار ارتفاع معدل الزيادة في الرسوم، يحدث الانكماش في القاعدة الضريبية بوتيرة أسرع بكثير. وهذا الأمر يبرز عدم الكفاءة الاقتصادية الناتجة عن رفع الرسوم خلال فترات الانكماش الاقتصادي».
كيف تهدِّد زيادات رسوم الخدمات السيادية الأجور الحقيقية والاستقرار الاجتماعي؟
- ردا على سؤال حول التداعيات المباشرة لارتفاع رسوم الخدمات السيادية والحيوية (كبطاقات الهوية والامتحانات الرسمية) على الاستقرار الاجتماعي والقدرة الشرائية لمحدودي الدخل، يرى الخبير الاقتصادي أن «هذه الخدمات تُعد «تكلفة غير اختيارية» تفرض فرضا على المواطن، وهو ما ينتج عنه ثلاث صدمات أساسية: اولا، انخفاض مباشر في الدخل المتاح للأسرة، حيث أنه في ظل غياب ربط الأجور بمؤشرات الأسعار، تمثل زيادات الرسوم انخفاضا في الأجور الحقيقية، إذ تضطر الأسر إلى إعادة توجيه الأموال المخصصة للنفقات المعيشية الأساسية (الغذاء، الرعاية الصحية، إلخ) لسداد الرسوم المرتفعة. ثانيا، صدمة تقع على كاهل الأسر ذات الدخل المنخفض، حيث إن الطابع التنازلي للرسوم يؤدّي إلى إستهلاك الضرائب الموحدة نسبة أكبر من الدخل المتاح للأسر ذات الدخل المنخفض مقارنة بالفئات الأخرى. وثالثا، حرمان مؤسسي من الحقوق للمواطنين حيث تؤدي التكاليف المتزايدة للحصول على المستندات الرسمية إلى زيادة احتمالات الاستبعاد المدني والتعليمي. أضف إلى ذلك، فإن ارتفاع تكاليف الحصول على وثائق الأحوال المدنية يضعف المؤسسات الرسمية ويزيد من حالة عدم الاستقرار الاجتماعي».
خيارا البرلمان: ترقيع الموازنة أو ردّها لفرض الإصلاح
في ظل موازنة تعتمد بنسبة 86% على الضرائب والرسوم غير المباشرة وتفتقر للرؤية الإصلاحية، وعن الخيارات المتاحة عمليا أمام مجلس النواب ولجنة المال، يشدد عجاقة على أنه «في ظل مشروع موازنة يعتمد بنسبة 86% على الضرائب غير المباشرة والرسوم الجمركية ويفتقر إلى أي تحول هيكلي، يمتلك مجلس النواب ولجنة المال والموازنة خيارين: الخيار الأول، ضبط زيادات الرسوم واستحداث إعفاءات مرتبطة بمستوى الدخل، مما يخفّف من تداعيات الزيادات، ولكن تبقى هيكلية الموازنة عبئا على ذوي الدخل المحدود ولا تحقق توازنا بين الإيرادات والنفقات. والخيار الثاني، رفض مشروع الموازنة قيد الدرس وإعادته إلى السلطة التنفيذية مع اشتراط إجراء دراسات حول كلفة الخدمات العامة قبل وضع أي زيادات على الرسوم أو فرض رسوم جديدة. واشتراط إرساء نظام ضريبي تصاعدي وإجراء إصلاحات أخرى تضمن توليد إيرادات ضمن خطة أوسع للتعافي الاقتصادي تشمل إعادة هيكلة القطاع المالي، وتحقيق استقرار سعر الصرف، وإدارة النفقات العامة».