23 ربيع الثاني 1448

الموافق

الثلاثاء 06-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة لبنان لا يخسر عندما يتغيّر الإقليم... بل عندما يتأخّر في فهمه
لبنان لا يخسر عندما يتغيّر الإقليم... بل عندما يتأخّر في فهمه
فؤاد بوجي
2026-10-06
لبنان لا يخسر عندما يتغيّر الإقليم... بل عندما يتأخّر في فهمه

 

ليس جديداً على لبنان أن يجد نفسه أمام إقليم يتغيّر من حوله. الجديد هو سرعة التغيير التي تجعل الوقت الفاصل بين التحوّل الخارجي واستيعابه داخلياً أكثر كلفة من أي وقت مضى. فلبنان، بحكم موقعه وتركيبته وتداخلاته، لم يكن يوماً معزولاً عن محيطه، لكن تاريخه السياسي يقول إن المشكلة لم تكن دائماً في التحوّلات الإقليمية نفسها، بل في تأخّر الداخل اللبناني في إدراك أن قواعد المرحلة السابقة لم تعد صالحة للمرحلة التالية.

في عام 1958، وجد لبنان نفسه في قلب صراع إقليمي ودولي تجاوز حدوده، فانفجرت أزمته الداخلية على خلفية التحوّلات العربية والحرب الباردة. وبعد ذلك بسنوات، اندلعت الحرب الأهلية في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، قبل أن يأتي اتفاق الطائف في نهاية حرب طويلة وفي لحظة إعادة ترتيب واسعة لموازين القوى العربية والدولية. وفي عام 2005، لم يكن انسحاب القوات السورية مجرد تطور لبناني داخلي، بل جزءاً من تحوّل إقليمي ودولي أكبر أعاد رسم موقع لبنان السياسي.

لكن العبرة من هذه المحطات ليست أن لبنان كان دائماً ضحية الخارج، فهذا تبسيط للتاريخ. العبرة أن الداخل اللبناني كان كثيراً ما يبدأ البحث عن تسوية جديدة بعد أن يكون الإقليم قد بدأ فعلاً في بناء معادلة جديدة. وعندما يصل لبنان متأخّراً إلى الطاولة، تكون خياراته أضيق، ويصبح التكيّف مع الوقائع أمراً أصعب من المشاركة في صناعتها.

اليوم، تبدو المنطقة أمام مرحلة مختلفة مرة أخرى. سوريا لم تعد هي سوريا التي عرفها لبنان طوال عقود، وموقع القوى الإقليمية تبدّل، فيما تتغيّر علاقة القوى الدولية بملفات المنطقة، وتدخل العلاقة اللبنانية - الإسرائيلية في مسار تفاوضي جديد. وفي الوقت نفسه، لا يمكن قراءة موقع حزب الله داخل لبنان بمعزل عن التحوّلات التي أصابت البيئة الإقليمية التي نشأ وتطوّر فيها دوره. هذه ليست مجرد أحداث منفصلة، بل عناصر في إعادة تشكيل المشهد الذي اعتاد لبنان أن يتحرك داخله منذ سنوات.

وهنا يكمن السؤال الحقيقي: هل يتعامل لبنان مع هذه المرحلة باعتبارها أزمة أخرى ينبغي انتظار نهايتها، أم باعتبارها تحوّلاً يجب أن يعيد على أساسه تعريف مصالحه وموقعه وعلاقاته؟

فالسياسة الخارجية للدول الصغيرة لا تعني القدرة على تغيير موازين القوى الكبرى، لكنها تعني القدرة على قراءة اتجاهها مبكراً. الدولة التي تعرف أن البيئة المحيطة بها تتغيّر تستطيع حماية مصالحها والتفاوض على موقعها. أما الدولة التي تنتظر اكتمال التحوّل، فقد تجد نفسها أمام واقع لم تشارك في صياغته.

لبنان لا يستطيع أن يوقف التحوّلات التي تجري حوله، ولا يحتاج إلى ذلك. لكنه يستطيع أن يقرر كيف يدخل المرحلة المقبلة: كدولة تنتظر التسوية الإقليمية ثم تتكيّف معها، أم كدولة تحاول للمرة الأولى أن تحدد مسبقاً ما الذي تريده من التسوية وما الذي لا تريد أن يكون جزءاً منها.

وربما تكون هذه هي اللحظة التي يجب فيها على بيروت أن تتعلم من تاريخها لا أن تكرره: الإقليم سيتغيّر، كما تغيّر دائماً؛ أما الخسارة الحقيقية فتبدأ عندما نكتشف متأخّرين أن المرحلة التي كنا نستعدّ لها قد انتهت بالفعل.

أخبار مماثلة