23 ربيع الثاني 1448

الموافق

الثلاثاء 06-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

اقتصاد اقتصاد صدمة المشتقات النفطية تعصف بالأسواق العالمية: لبنان بين مقصلة "الفاتورة المزدوجة" وتهديد الشحّ المستدام
صدمة المشتقات النفطية تعصف بالأسواق العالمية: لبنان بين مقصلة "الفاتورة المزدوجة" وتهديد الشحّ المستدام
2026-10-06
صدمة المشتقات النفطية تعصف بالأسواق العالمية: لبنان بين مقصلة "الفاتورة المزدوجة" وتهديد الشحّ المستدام

 

يأتي تقرير وكالة الطاقة الدولية الصادر خلال شهر أيلول المنصرم، وعلى أبواب فصل الشتاء، ليدق ناقوس الخطر بشأن واقع سوق النفط العالمي، مُنذرا بتراجع حاد في صادرات المازوت من الشرق الأوسط وروسيا بنحو 75% خلال عام واحد. ويوضح التقرير أن الأسواق العالمية تفقد حاليا نحو 500 ألف برميل يوميا من الإمدادات جراء الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار العمليات العسكرية في مضيق هرمز، مما انعكس مباشرة على سلامة وقدرات منشآت الإنتاج والتكرير.

وبشكل صريح، يعلن التقرير أن أسواق المشتقات النفطية تتجه نحو ضغوط متزايدة مع تفاقم شحّ المازوت وتراجع إمدادات كبار المنتجين، في وقت تجاوز فيه سعر طن الديزل حاجز 1500 دولار أميركي خلال أيلول أي ما يزيد على 200 دولار للبرميل مما يضع الاقتصاد العالمي أمام مواجهة مباشرة مع تداعيات هذه الأزمة المتصاعدة.

وتكمن الخطورة الكبرى في أن انعكاسات هذا الشح لن تقف عند حدود أسواق الطاقة، بل يمتد أثرها المباشر إلى مختلف أوجه النشاط الاقتصادي، إذ يشكّل المازوت نحو 30% من الاستهلاك العالمي للنفط، ويُعدّ المحرك الأساسي لقطاعات الشحن، والنقل، والزراعة، والصناعة، وتوليد الكهرباء. ومع تزامن هذا التراجع الحاد في الإمدادات مع تعرّض القدرات التكريرية الروسية لضربات متتالية ودراسة واشنطن تقييد صادراتها، تتزايد المخاوف من تسرّب هذه الصدمة السعرية لتتحوّل إلى موجات تضخمية طاحنة يمتد تأثيرها إلى الاقتصادات المستوردة وعلى رأسها لبنان لتضع القدرة الشرائية والمستويات المعيشية أمام اختبار في غاية الصعوبة.

لماذا ترتفع أسعار المازوت رغم ثبات النفط الخام؟

من هذا المنطلق، تؤكد المنسقة الوطنية لتحالف حوكمة الطاقة والعضو في شبكة العدالة في إدارة الموارد، ديانا القيسي، في حديث لصحيفة «اللواء»، أن «التقرير الأخير لوكالة الطاقة الدولية أظهر تراجعا ملحوظا في صادرات الديزل والغاز أويل القادمة من الشرق الأوسط وروسيا خلال شهر آب الماضي، حيث انخفضت إلى نحو 520 ألف برميل يوميا، ما يمثل هبوطا بحوالي 75% مقارنة بمستوياتها في الفترة نفسها من العام السابق». معتبرة أن «رقم الـ520 ألف برميل لا يعبّر عن حجم النقص في السوق، بل يمثل المتبقي فعليا من حجم الصادرات. وبمقارنة هذه الخسارة بشهر شباط، يتبين أن حجم التراجع يبلغ نحو 1.6 مليون برميل يوميا».

وتشير إلى أن «الأزمة الراهنة لم تعد تقتصر على مدى توفر النفط الخام فحسب، بل أصبحت تتجه نحو تعقيدات أعمق تتعلق بعمليات التكرير ونقل المشتقات النفطية». واستشهدت بالوضع في منطقة الخليج العربي، «حيث أدّت المخاطر الأمنية في مضيق هرمز وتعطيل حركة الناقلات إلى ارتفاع قياسي في تكاليف التأمين والشحن، ما فاقم من حدّة الضغوط على أداء السوق».

وتلفت القيسي إلى أنه «على الرغم من قدرة الدول المنتجة للنفط على تحويل جزء من الخام عبر خطوط وأنابيب بديلة، إلّا أن مرونتها الإمدادية في التعامل مع المشتقات المكررة والديزل جاءت أقل بكثير مقارنة بالكميات التي كانت تتدفق سابقا، وهو ما شكّل النواة الأساسية للازمة الحالية».

وفي السياق نفسه، تطرقت إلى المشهد الروسي، موضحة أن «الضربات الأوكرانية المتكررة على المصافي الروسية تسببت في تقليص قدرتها التكريرية والإنتاجية، ما انعكس بدوره ضغطاً إضافياً على الإمدادات العالمية». مشيرة إلى أنه «ورغم التحسّن الملموس في تدفقات النفط الخام من الشرق الأوسط خلال شهر أيلول، إلّا أن أزمة المشتقات النفطية لم تجد طريقها إلى الحل بالسرعة ذاتها، وهو ما يفسر حالة الاستقرار النسبي في أسعار الخام بالتوازي مع الارتفاع المتواصل في أسعار المازوت».

حظر الصادرات الأميركية: سيناريو محتمل يعمّق أزمة الديزل العالمية

وفيما يتعلق بالتسريبات حول إمكانية فرض حظر أميركي على تصدير المازوت لمدة 90 يوما، ومدى قدرة المصافي الآسيوية والصينية على سد الفجوة التي قد تنجم عن ذلك والبالغة نحو 500 ألف برميل يوميا، توضح القيسي أنه «لم يصدر حتى الساعة أي قرار رسمي بهذا الشأن. وهذا الخيار طُرح للنقاش داخل الإدارة الأميركية وتم نفيه لاحقا كقرار جاهز للتنفيذ، قبل أن يعود الرئيس دونالد ترامب ويؤكد أن الفكرة ما زالت قيد التداول، ما يفرض التعامل مع هذا الطرح كسيناريو محتمل وليس كواقع مفروض».

وتحذّر القيسي من أنه «في حال إقرار هذا الحظر الشامل، فإن التأثير المباشر على المدى القصير سيتجلّى في زيادة المعروض المحلي داخل السوق الأميركية وانخفاض الأسعار هناك، لكن هذه الأزمة ستُصدَّر عملياً إلى باقي دول العالم. فالتداعيات قد ترتد عكسيا على الداخل الأميركي على المدى المتوسط، وذلك في حال امتلاء خزانات التخزين واضطرار المصافي إلى تقليص مستويات تشغيلها».

وحول مدى قدرة الصين وباقي الدول الآسيوية على امتصاص الصدمة، تلفت إلى أن «هذه الدول تمتلك بالفعل طاقات تكريرية ضخمة يمكن أن تساهم في التخفيف من حدة الأزمة، إلّا أنها لا تشكّل حلا سريعا أو مضمونا لكبح تداعيات القرار الأميركي إن أُقرّ».

ارتفاع المازوت يهدّد لبنان بأزمة طاقة مزدوجة: هل تنقطع الكهرباء وتقفز فاتورة المولدات؟

وفي سياق متصل، تحذّر القيسي من «التداعيات المباشرة لارتفاع سعر طن الديزل وتجاوزه عتبة الـ1500 دولار على الاستقرار المعيشي في لبنان»، مؤكدة أن «الاقتصاد اللبناني يُعدّ من أكثر الاقتصادات هشاشة وحساسية تجاه تقلبات أسعار المشتقات النفطية عالميا. وترجع ذلك إلى انعدام القدرة التخزينية لدى المواطنين، مما يضعهم في حالة شراء مستمرة ويجعل انعكاس أي ارتفاع عالمي فوريا ومباشرا على السوق المحلية، في ظل غياب خزانات استراتيجية كافية لدى الدولة».


وتوضح أن «هذا الواقع يضاعف الأعباء المالية على الأسرة اللبنانية التي باتت أسيرة «الفاتورة المزدوجة» لكل من المولدات الخاصة ومؤسسة كهرباء لبنان». مشيرة إلى أن «آثار القفزة الأخيرة في الأسعار بدأت تظهر جليّا مع التسعيرة الأخيرة التي أصدرتها وزارة الطاقة والمياه لشهر أيلول، والتي شهدت ارتفاعا ملحوظا في تعرفات المولدات المقطوعة والعدادات».

أما على صعيد التغذية الرسمية، فتلفت القيسي إلى «التحذيرات الرسمية الصادرة عن مؤسسة كهرباء لبنان بشأن اقتراب سعر طن «الغاز أويل» من مستويات 1500 دولار، في حين أن الاعتمادات المرصودة في موازنة عام 2026 تم احتسابها على أساس سعر لا يتجاوز 680 دولارا للطن». وأكدت أن «هذا الفارق الشاسع يضع المؤسسة أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها الماليّة على استمرار شراء الفيول والحفاظ على معدلات التغذية الحالية»، مشدّدة على أن «المواطن يبقى في النهاية الحلقة الأضعف والمسدّد الوحيد لضريبة هذا الارتفاع المزدوج».

سيناريوهات الأزمة والحلول الاستراتيجية

وفيما يتعلق بالسيناريوهات المستقبلية المتوقعة للبنان، ترسم القيسي مسارين رئيسيين، يفترض في الأول أن «الأزمة ذات أبعاد جيوسياسية ولوجستية، حيث سينعكس تحسن الملاحة في مضيق هرمز واستعادة المصافي الروسية لإنتاجها بالتوازي مع زيادة الصادرات الآسيوية ولجوء الدول لمخزوناتها الاستراتيجية على شكل ارتفاع في الأسعار يمتد لثلاثة أشهر قبل أن يبدأ بالتراجع، ليقتصر أثره محليا على موجة غلاء مؤقتة في فواتير الكهرباء والمولدات تضبطها الدولة بفرض رقابة مشددة على الأسعار. أما السيناريو الثاني والأشد خطورة، فيتمثل في الشح المزمن الناجم عن استمرار الحرب وتعطيل المصافي وإغلاق الطرق البحرية، ما يضع لبنان أمام نقص مستدام في المشتقات النفطية، وارتفاع دائم في الفواتير، وضغط متواصل على المولدات يضاعف معاناة المواطنين بين الغلاء وصعوبة تأمين الكميات».

وأمام هذه التحدّيات، تشدّد القيسي على «ضرورة التعاطي مع الملف بوصفه قضية أمن طاقة وطني وعدم الرهان على عودة الأسعار لسابق عهدها، عبر خطوات عاجلة تشمل تنويع مصادر الاستيراد، تأمين المخزون التشغيلي، توسيع القدرات التخزينية، توفير السيولة، إلى جانب الإسراع في التحوّل نحو الطاقة المتجددة».

أخبار مماثلة