يستعد الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة لقطف ثمار الزيتون، وهو أحد أهم المواسم الزراعية والاقتصادية والاجتماعية، لكن الطريق إلى الحقول محفوفة بالمخاطر مع تصاعد اعتداءات المستوطنين ومنعهم المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، فضلاً عن سرقة المحاصيل وتدمير الأشجار.
تعرض المزارع عبد المجيد عديلي (70 سنة)، من قرية أوصرين جنوب مدينة نابلس، قبل أيام، لهجوم دموي من عصابات المستوطنين، ويروي: "تحركت فجر الجمعة، برفقة نحو 15 فرداً من أفراد عائلتي باتجاه أرضنا لقطف الزيتون، لكن المفاجأة كانت أن المستوطنين سبقونا إلى الأرض، وسرقوا جزءاً من الثمار. لم تتوقف الأمور عند سرقة المحصول، إذ فور دخولنا الأرض تعرضنا لهجوم من نحو 20 مستوطناً، كان بعضهم مسلحاً، وكاد الهجوم أن يودي بحياة أحد أفراد العائلة". يضيف عديلي: "يبدو أنهم كانوا يراقبوننا، وما كدنا نصل حتى تعرضنا للهجوم. أجبر المستوطنون أفراد العائلة على المغادرة، فيما وصلت قوات الاحتلال لاحقاً، ولم تتدخل لمنع الاعتداء علينا أو سرقة محصولنا".
وتكشف هذه الواقعة طبيعة الأزمة التي تواجه آلاف المزارعين، فالوصول إلى الأرض لم يعد يعني بالضرورة القدرة على قطف المحصول، بل قد يتحول إلى مواجهة تهدد حياة المزارع.
وتظهر بيانات فلسطينية حجم الخسائر التي لحقت بالقطاع الزراعي خلال السنوات الأخيرة، فبحسب المعطيات التي أوردتها وزارة الزراعة الفلسطينية، حتى نهاية سبتمبر/أيلول 2026، تضررت أكثر من 98 ألف شجرة زيتون في الضفة الغربية، فيما تجاوزت الخسائر المباشرة في المحصول 66.5 مليون دولار، وبلغت الخسائر التراكمية منذ عام 2023 نحو 316.9 مليون دولار.
ولا تقتصر الخسائر على عدد الأشجار التي جرى قطعها أو إحراقها، إذ ارتفعت مساحة الأراضي القريبة من الجدار الفاصل والمستوطنات، والتي يُمنع المزارعون من الوصول إليها، وفق أحد بيانات وزارة الزراعة الفلسطينية، من نحو 130 ألف دونم إلى ما بين 220 و230 ألف دونم.
ووثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية تسبب قوات الاحتلال والمستوطنين خلال النصف الأول من العام الحالي، في قطع 45,195 شجرة أو إتلافها، من بينها 26,395 شجرة زيتون، وكان لمحافظتي نابلس وجنين النصيب الأكبر منها. وفي شهر سبتمبر الماضي، طاولت الاعتداءات 14,600 شجرة، من بينها 9,334 شجرة زيتون، وفق الهيئة، فيما بلغ عدد اعتداءات المستوطنين منذ بداية العام وحتى نهاية سبتمبر 5,561 اعتداءً.
ويعني اقتلاع أشجار الزيتون المعمرة حرمان العائلات من المحصول لسنوات طويلة، وتحويل الاعتداء الزراعي إلى خسائر اقتصادية متراكمة. يقول الناشط في مناهضة الاستيطان، خالد منصور إن "استهداف الزيتون يرتبط بمحاولة دفع المزارعين بعيداً عن أراضيهم، والاعتداءات تشمل قطع الأشجار وحرقها، والاستيلاء على الأراضي، أو إعاقة وصول أصحابها إليها، وهذا التصعيد ضد المزارعين لا يمكن فصله عن واقع الاستيطان المتنامي، ومحاولات فرض السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي، خصوصاً الزراعية".
ويدعو منصور إلى ضرورة وضع خطط وتشكيل لجان محلية في البلدات والقرى المستهدفة، تتولى تنظيم حركة المزارعين، وتحديد مناطق التماس، ومواعيد القطاف، والتنسيق بشأن الأراضي التي تحتاج إلى ترتيبات مسبقة مع الجهات المختصة. ويوضح: "ينبغي أن تتضمن الخطة التنسيق مع مديريات وزارة الزراعة الفلسطينية، وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، وجهاز الدفاع المدني الفلسطيني، وتحديد نقاط التجمع والانطلاق والعودة في كل منطقة، إلى جانب تشكيل فرق تطوعية من الشباب وطلبة الجامعات لمساندة المزارعين، تتولى مهمة نقل الثمار من الأراضي، لتقليل مخاطر سرقتها أو الاستيلاء عليها من قبل المستوطنين".
بدوره، يؤكد مدير مديرية الزراعة في جنوب نابلس، مجدي الأغبر أن "الزيتون لا يمثل بالنسبة إلى الفلسطينيين مجرد محصول زراعي، أو مصدر دخل موسمي، فالأرض والشجرة جزء من دورة اقتصادية واجتماعية ممتدة تعتمد عليها عائلات وقرى بأكملها، كما أن الشجرة تحولت عبر عقود إلى أحد أبرز الرموز المرتبطة بعلاقة الفلسطيني بأرضه، وبصموده فيها".
ويتابع الأغبر: "موسم الزيتون لا يمكن التعامل معه باعتباره نشاطاً زراعياً عادياً، في ظل الحاجة إلى تنظيم الوصول إلى المناطق الساخنة وحماية المزارعين وتمكينهم من إنجاز القطاف في الظروف المتاحة. لكن هذه الإجراءات، مهما اتسعت، تبقى محدودة أمام واقع ميداني تفرض فيه قوات الاحتلال إلى جانب المستوطنين الإسرائيليين قيوداً مباشرة على حركة الفلسطينيين عموماً، وعلى قدرتهم على الوصول إلى أراضيهم الزراعية".
وتتجاوز أهمية أشجار الزيتون قيمتها التجارية المباشرة؛ فهي بالنسبة لكثير من الأسر الفلسطينية مورد اقتصادي موسمي، ومخزون غذائي، ومصدر لزيت الزيتون الذي يدخل في الاستهلاك اليومي، فضلاً عن ارتباطه التاريخي والاجتماعي بملكية الأرض.
ويشدد الأغبر على أن "اقتلاع شجرة زيتون معمرة لا يعني فقدان إنتاج موسم واحد، بل يعني خسارة سنوات طويلة من الإنتاج، وربما عقوداً ستضيع قبل أن تتمكن شجرة جديدة من الوصول إلى مرحلة الإنتاج نفسها"، لافتاً إلى أن "الخسارة لا تقف عند حدود المزارع، إذ تمتد إلى العمال الذين يعتمدون على موسم القطاف، ومعاصر الزيتون، وناقلات المحاصيل، والأسواق، وغيرها من الأنشطة المرتبطة بسلسلة إنتاج الزيتون".