24 ربيع الثاني 1448

الموافق

الخميس 08-10-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "أَدَبُ الكَلِمَةِ"!
"أَدَبُ الكَلِمَةِ"!
القاضي م جمال الحلو
2026-10-07
"أَدَبُ الكَلِمَةِ"!

يقول أحد الحكماء: «القلوب كالقدور في الصدور، تغلي بما فيها»؛ ولذا كان على العاقل أن يتعلّم من آداب التخاطب وفنونه ما يوصله إلى قلوب الناس، مراعيًا فقه الكلمة، وخطورة اللفظ، وحسن المنطق، وجودة التعليق، في إطار من النقد البنّاء. وكم من صداقات قامت على حسن الأدب في التخاطب، وكم من عداوات نشأت بسبب سوء الأدب فيه.

فالتخاطب، إذًا، حاجة ملحّة في تعاملنا اليومي مع الآخرين، يقوم على أسس من اللياقة واللباقة، وبطريقة انتقائية تُعنى بلطف العبارة وجمال التعبير، كما ننتقي، بعناية، أزهار الباقة وورودها. والكلمة الطيبة، كما ورد في كتاب الله عزّ وجلّ، كالشجرة الطيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء.

وفنّ التخاطب مع الناس عنوانٌ للرقي، وأدب التحاور مع الآخر شعاعٌ من نور النقاء، وانتقاء الجملة الهادفة الراقية في تعاملك الكلامي مع نظيرك سموٌّ ورفعة.

لقد كان والدي، طيّب الله ثراه، يعلّمني أن على المرء أن يتخيّر في خطابه الكلم الطيب، وأن ينتقي في حواره أحسن الألفاظ وأجملها وألطفها، وأن يبتعد عن ألفاظ أهل الجفاء والغلظة. يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. صدق الله العظيم.

وإذا كانت الكلمة مرآة القلب، فإن تهذيبها تهذيب للذات، وصقلها ارتقاء في مدارج الإنسانية. فليست البلاغة زخرفًا لفظيًّا، بل مسؤولية أخلاقية؛ تُبنى بها الجسور أو تُهدم، وتُزرع بها المودّة أو تُستثار بها الخصومة. ومن أدرك أثر كلمته قبل أن ينطق بها، امتلك مفاتيح القلوب، وسار بين الناس سيرة محمودة.

وهكذا يغدو أدب التخاطب ليس ترفًا ثقافيًّا، بل ضرورة إنسانية؛ به تُصان العلاقات، وتُحفظ الكرامات، وتُبنى مجتمعات أكثر وعيًا ورقيًّا؛ حيث تكون الكلمة الطيبة صدقة، والقول الحسن رسالة، واللسان أداة بناء لا معول هدم.

أخبار مماثلة