25 ربيع الثاني 1448

الموافق

الخميس 08-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

ثقافة وفن ومنوعات ثقافة معادلة بصرية نستنتج منها أننا أمام كتلة مستقرّة
معادلة بصرية نستنتج منها أننا أمام كتلة مستقرّة
ضحى عبدالرؤوف المل
2026-10-08
معادلة بصرية نستنتج منها أننا أمام كتلة مستقرّة

 

يقلب بريون درابر Bryon Draper العلاقة بين الفكر والمادة، فتبدو منحوتته وكأنها في وضع دفاع عن الأفكار التي تعشش في جسد متعب، لكن أقوى ما في منحوتته هذه الرأس، فهي مبنية على توازن بين محور رأسي ثابت وكتل منحنية مائلة. كما أن المثلث يعطي إحساساً بالثبات، فالكتلة العلوية الضيقة تتسع تدريجياً باتجاه القاعدة. لكن يتحوّل المستطيل إلى عنصر هندسي له وظيفتان متناقضتان. إذ يفصل الكتلتين، وفي الوقت نفسه يربطهما. لكن المثير جداً أن هذا الهيكل الهندسي مغطى بالكامل بأشكال عضوية، فلا نرى المثلث والمستطيل فعلياً وإنما نشعر بهما. والأهم من كل ذلك ما يشعر به المتلقّي من معادلة بصرية نستنتج منها أننا أمام كتلة مستقرة ذات توتر حركي. فهل تتفاعل الهندسة مع علم التشريح من خلال النحت. وهل التأويلات بين المحور الهندسي الثابت والكتلة البشرية غير المتناظرة تمنع التكوين النحتي من أن يبدو جامداً؟ وهل يؤكد بريون أن للإنسان جسد غير منتظم، يحمل داخله نظاماً شديد الدقة؟

يُشير بريون في منحوتته هذه إلى أن الفكر يعيش على حساب الجسد. فالفكر ليس سجين الجسد لأن الإنسان دائما مقيّد بما يحاول أن يتجاوزه والمغزى التي تحمله المنحوتة هو في المفارقة بين السمو والاعتماد، فالجزء العلوي يبدو أرقى والجزء السفلي هو الأدنى لكن بريون يقلب المعادلة فلسفيا لأن الجزء الأعلى لا يستطيع أن يوجد من دون الجزء الأدنى، وهذا يجعل العمل ليس تمجيدا للعقل بقدر ما هو نقد لوهم انفصال العقل عن الجسد وكأن الإنسان متذبذب بين الوعي والجسد، وبين الإرادة والضرورة، وبين الرغبة والارتفاع والثقل الذي يبقيه منجذباً إلى الأرض. غير أن هندسة الكتلة لا تكتمل إلّا بفهم الإيقاع الذي يحكمها وفق شروط مخفية. لكن من الناحية الحسية، المنحوتة تحقق تأثيرها من خلال سطح المادة، فالخامة تبدو وكأنها برونزية أو ذات طابع معدني، لكنها لا تقدم سطحاً مصقولاً ومثالياً، فالبقع، والخشونة، واللمعان المتفاوت، والمناطق الأكثر قتامة والأخرى الانعكاسية للضوء. وهذا مهم لأن الضوء لا يسقط على سطح متجانس، بل يلتقط التضاريس لتشرحها عين المتلقّي. فهل يفرض بريون على منحوتته حركة جسدية وفكرية في آن؟ وهل هذه المنحوتة مبنية على تعدد المنظورات؟

يميل الحس الفني عند بريون درابر إلى عبقرية الفصل بين المادة والفكر المرتكز على التأثر والتأثير، وعلى قدرة الإنسان على اكتشاف ذاته من خلال الفكر، فالتوازن، والتناغم، والحجم، على امتداد أعماله هي دلائل تنتمي إلى مجالات النحت الذي يحصره في نظام نحتي لتحويل الفكرة من حالة ذهنية مجردة إلى بنية مادية قابلة للقياس والإدراك والتأويل، فالفكرة لا تدخل المنحوتة باعتبارها مضموناً منفصلاً عن شكلها، وإنما تتحوّل إلى علاقات هندسية ومادية تحكم توزيع الكتلة، واتجاه القوى، ونسب الفراغات، ومسارات الخطوط، ومواقع التوازن، بحيث يصبح الشكل نتيجةً لنظام من القرارات المتعاقبة لا مجرد استجابة جمالية عفوية. وفي منحوتة بريون، يمكن أن تبدأ الفكرة من مفهوم مجرد، كالتوتر أو الانفصال أو الاستمرارية، لكنها لا تكتسب وجودها الفني إلّا حين تجد ما يقابلها مادياً، فالتوتر قد يتجسّد في تعارض محورين أو في كتلتين تبدوان وكأنهما تتجاذبان، والانفصال يمكن أن يتحوّل إلى فراغ محسوب يفصل بين عنصرين مع إبقاء علاقة بصرية بينهما، أما الاستمرارية فقد تظهر في خط منحني ينتقل من سطح إلى آخر دون انقطاع. هنا تعمل المادة بوصفها منظومة مقاومة. إذ لا تسمح للفكرة بأن تتحقق بصورة مطلقة، وإنما تحدد إمكاناتها وفق كثافتها وصلابتها ومرونتها وقابليتها للحفر أو القطع أو الانحناء. ولذلك فإن الفكرة النحتية لا تُفرض على المادة فرضاً، بل تتشكّل من خلال تفاوض مستمر بين التصميم وقوانين الفيزياء. فالكتلة تمتلك وزناً، والفراغ يعيد توزيع الإدراك المكاني، والجاذبية تفرض شروط الاتزان، والسطح يستقبل الضوء ويعيد توجيه القراءة البصرية، فالفراغ هو العنصر البنائي المساوي للكتلة في إنتاج الدلالة. فهل منحوتة بريون هي بنية مركبة تتقاطع فيها الفكرة مع المادة، والهندسة مع الإدراك، والقانون الفيزيائي مع القرار الجمالي؟ وهل نقلنا في منحوتته هذه من صناعة شكل إلى بناء معرفة حسية تكشف كيف يمكن لفكرة غير مادية أن تكتسب وزناً، وحجماً، واتجاهاً، ومقاومة، ومكاناً داخل العالم؟

أخبار مماثلة