من ذكاء العرب وفطنتهم أنهم كانوا يلتقطون الإشارة الخفية، ويفهمون من تغيير يسير في اللفظ معنى قد تعجز عنه عبارات طويلة. ومن هنا يقال في كلامنا: «الموضوع فيه إنَّ»، أو «القصة فيها إنَّ»، عندما يكون في الأمر ما يبعث على الريبة، أو يوحي بأن وراء ظاهره أمرًا خفيًّا.
فما قصة هذه الـ«إنَّ»؟
تُروى في كتب الأدب والتراجم حكاية طريفة في ذلك، ارتبطت برجل عُرف بالفطنة والذكاء، هو سديد الملك أبو الحسن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ، صاحب قلعة شيزر، وكان قبل تملكه لها يتردد على حلب، وكان صاحبها يومئذ تاج الملوك محمود بن صالح بن مرداس.
وجرى أمرٌ خاف سديدُ الملك على نفسه منه، فغادر حلب إلى طرابلس الشام، حيث أقام عند صاحبها جلال الملك بن عمار. وعلم محمود بن صالح بمكانه، فأراد استقدامه إلى حلب، وكان قصده أن يفتك به. فأوعز إلى كاتبه أبي نصر محمد بن الحسين بن علي النحاس الحلبي أن يكتب إليه كتابًا يستعطفه فيه، ويشوقه إلى العودة، ويستدعيه إلى حلب.
وكان الكاتب صديقًا لسديد الملك، ففهم الغرض الحقيقي من أمر محمود، لكنه لم يستطع مخالفة أمره. لذلك كتب الرسالة كما طُلب منه، وجعلها في ظاهرها رسالة ودٍّ واستعطاف، حتى بلغ موضعًا كتب فيه:
«إن شاء الله تعالى».
غير أنه تعمّد أن يشدّد النون ويفتحها، فكتبها على صورة: «إنَّ شاء الله تعالى»؛ وهو تغيير مقصود في كلمة لا يستقيم معناها على هذه الصورة، ولا يُتوقع من كاتب متمكن من العربية أن يقع فيه سهوًا.
وصل الكتاب إلى سديد الملك، فقرأه ثم عرضه على جلال الملك بن عمار ومن كان في مجلسه من خواصه. فاستحسنوا ما جاء فيه من رغبة محمود في استقدامه وإيثاره قربه، ولم يلتفتوا إلى تلك الإشارة الدقيقة.
أما سديد الملك فقال:
«إني أرى في الكتاب ما لا ترون».
فقد أدرك أن تشديد النون لم يكن خطأً عابرًا، وإنما كان إشارةً مقصودة من الكاتب إلى الخطر الذي يتهدده. وكان الكاتب يقصد بذلك إلى قول الله تعالى:
﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾
[القصص: 20].
وفهم سديد الملك الرسالة، وأدرك أن وراء الدعوة إلى العودة مكيدةً تُدبَّر له.
ثم أجاب عن الكتاب بما اقتضاه المقام، وكتب في جملة جوابه:
«أنا الخادم المقر بالإنعام».
لكنه تعمّد كسر همزة «أنا» وتشديد نونها، فصارت في القراءة: «إنَّا الخادم المقر بالإنعام».
وحين وصل الكتاب إلى محمود بن صالح، ووقف عليه الكاتب أبو نصر، سرَّ بما رأى، وقال لأصحابه ما معناه إنه كان يعلم أن ما أشار إليه في رسالته لن يخفى على سديد الملك، وأنه قد فهم الإشارة وأجاب عنها بإشارة مثلها.
وكانت إشارة سديد الملك إلى قول الله تعالى:
﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾
[المائدة: 24].
أي أنه فهم تحذير الكاتب، وأفهمه أنه لن يعود إلى حلب ما دام الخطر قائمًا.
وهكذا تحولت النون المشددة في رسالتين إلى لغة خفية بين كاتبٍ وأمير؛ حرفٌ واحد تغيّر عن موضعه، فحمل معنى واسعًا لا يستطيع التصريح به أن يؤديه من غير أن يكشف صاحبه.
وتُروى هذه الحكاية في كتب الأدب والتراجم مثالًا على حدة الفطنة وسرعة البديهة وحسن قراءة الإشارات، وقد نقل ابن خلكان أصلها في ترجمة سديد الملك، كما أشار إلى أنها سِيقَت أيضًا في ترجمة ابن النحاس.
ومن هذه الحكاية اشتهر تفسير قول الناس: «الموضوع فيه إنَّ»، للدلالة على أن في الأمر شيئًا خفيًّا، أو أن وراء ظاهره ما يستدعي الحذر والتأمل. وليس المقصود أن هذه الرواية تثبت على وجه القطع أنها المنشأ التاريخي للعبارة، وإنما هي من أشهر الحكايات التي رُبط بها تفسير هذا التعبير.
ولعل أجمل ما في الحكاية أن «إنَّ» لم تكن فيها مجرد حرف من حروف اللغة، وإنما أصبحت إشارةً مشفَّرة بين رجلين، حملت من المعنى ما عجزت عنه الكلمات الصريحة.
وهنا يكمن درسها الأبلغ: فالفطنة ليست في كثرة الكلام، وإنما في حسن قراءة ما بين السطور؛ فقد تختبئ الحقيقة أحيانًا في تفصيلة صغيرة لا يلتفت إليها إلا من أوتي دقة الملاحظة وحسن الفهم.