المقصود بالسياسات الصناعية تلك التي تسمح للقطاع العام والحكومات بالتدخل مباشرة وعلنا في الاقتصاد عبر توجيه الأموال والموارد نحو قطاعات أو مؤسسات معينة. اعتمدت هذه السياسات في القرن الماضي لعقود في الدول الاشتراكية والنامية. وضع الاتحاد السوفياتي خططا خمسية متطورة ومتتابعة لكنها لم تؤدِّ الى النتيجة المطلوبة لصعوبة ادارة اقتصاد كبير من العاصمة. بين الدول الغربية، كانت فرنسا سبَّاقة في اعتماد الخطط الموجهة للاقتصاد دون أن تفرضها على المواطنين والشركات والقطاع العام. اليوم، هنالك من يدفع لبنان الى اعتماد سياسات صناعية «غير مدروسة» ربما تنقذ البلاد من الوضع الذي تتخبط به، علما أن التجارب العالمية غير مشجعة.
تعود السياسات الصناعية الى الظهور حتى في الولايات المتحدة لتخفيف الخسائر وتقوية المنافع في ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية المتردية. نعلم أن الصين اعتمدت لعقود سياسات صناعية نجحت، بفضل نظامها السياسي المركزي القوي، في تحقيق نمو مدهش سمح بنقل الاقتصاد من دولة نامية الى ناشئة. لم ترتفع نسبة البطالة السنوية الا نادرا فوق ال 5%. أما نسبة التضخم السنوية فبقيت عموما حوالي 2%. كانت الموازنة عموما عاجزة مما سبب ارتفاع الدين العام. أما ميزان المدفوعات فكان فائضا بسبب الصادرات المرتفعة، بالرغم من استيراد الصين للمحروقات. ينعكس هذا الفائض على الاحتياطي النقدي الكبير الموجود في المصرف المركزي. لا يمكن تجاهل وجود أزمة عقارية حادة تهدد استقرار الاقتصاد.
يأمل الرئيس الصيني بأن تكون العلوم والتكنولوجيا الطريق الأسرع للوصول الى التفوق الكامل لبلاده على الولايات المتحدة. أما في المقلب الآخر، يستعمل الرئيس ترامب مجموعة من السياسات الصناعية الجديدة والايضافية من عقوبات وتعريفات جمركية وحوافز ومساعدات لمنع الصين من تحقيق أهدافها. تبعا لتشكيلة الادارة الأميركية الحالية، يظهر جليا أن الرئيس ترامب مستعد للمواجهة. لا شك أن الود الذي يظهره الرئيسان خلال الزيارات الى عواصمهما، آخرها في واشنطن، يغطي رغبة قوية صارمة في تحقيق النصر الكامل بسرعة.
دولة أخرى كبيرة منافسة للصين وهي الهند اعتمدت أيضا سياسات صناعية ذكية منذ استقلالها عن بريطانيا وحتى اليوم تحت حكم «مودي» وحزبه «جاناتا». يبلغ الناتج المحلي الصيني 21 ألف مليار دولار أي 5 مرات الناتج الهندي. هدف مودي جعل اقتصاد الهند الثالث عالميا بدأ من سنة 2027، وهذا ما زال ممكنا مع استمرار الاستقرار السياسي والأمني وعبر اعتماد السياسات الصحيحة في الضرائب والتكنولوجيا والتعليم. استثمرت الهند في البنية التحتية عبر بناء 149 مطار وعشرة آلاف كيلومتر من الطرق كما تضيف سنويا 15 جيغاوات الى الطاقة الشمسية. طورت الهند قطاع الخدمات وأصبحت صادراته 10% من الناتج المحلي الاجمالي.
وضعت الهند نفسها على الطريق الصحيح. ينمو الاقتصاد سنويا بمعدل 6% وهذا مدهش لاقتصاد كبير. نسبة التضخم بمعدل 5% معتدلة، اذ استفادت الحكومات من نصائح أفضل خبراء الاقتصاد الهنود الموجودون في الجامعات الأميركية والمؤسسات الدولية. تبقى الموازنة عاجزة مما يحد من قدرة الحكومة على الاستثمار أكثر في الاقتصاد. ميزان الحساب الجاري عاجز بسبب ارتفاع الحاجات والواردات، مما يفرض على الاقتصاد توسيع وتنويع القدرات الانتاجية عبر سياسات صناعية مناسبة. أما الاحتياطي النقدي فلا يمكن مقارنته بالصين لكن الاقتصاد الهندي يتطور. لن تكون الهند «صين المستقبل» لأنها تأخرت في البدء بمشروعها الطموح وتتخبط بين حين وآخر بتحديات تنوع شعبها عرقيا ولغويا ودينيا، مما يضعف التجانس وبالتالي التطور. من أهم المشاكل المتبقية هي الفساد في الادارات العامة الذي يعيق تنفيذ أفضل القرارات.