ليست كلّ الدول التي تفقد دورها في محيطها متشابهة؛ فبعضها يُدفع إلى الهامش حتى يخسر قدرته على التأثير، وبعضها يُدفع نحو التفكّك حتى يخسر قدرته على البقاء دولةً متماسكة. بين هذين المسارين، يمكن قراءة جانب من التحوّلات التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة: التّهميش بوصفه هدراً للإمكانات، والتهشيم بوصفه هدماً للإمكانات.
في التّهميش، تبقى الدّولة قائمة بمؤسساتها وحدودها وعلمها، لكنّها تفقد تدريجياً استقلالية قرارها، وتتحوّل إلى طرف ضعيف في معادلات تُرسم خارج حدودها. أمّا في التهشيم، فإنّ الخطر يتجاوز إضعاف الدور إلى ضرب البنية الدّاخلية نفسها: مؤسسات تتآكل، واقتصادات تنهار، ومجتمعات تنقسم، وثقة المواطنين بدولتهم تتراجع، حتى تُصبح الدولة عاجزة عن إنتاج مشروع وطني جامع.
أولاً: التّهميش والتّهشيم في الاستراتيجية الإقليمية
تتعامل الولايات المتحدة وإسرائيل مع دول المنطقة انطلاقاً من مصالحهما الأمنية والاستراتيجية، وإن اختلفت الأدوات والوسائل من مرحلة إلى أخرى. وقد تتقاطع هذه المصالح مع دعم استقرار بعض الدول، فيما تؤدي سياسات أخرى، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى إضعاف دول ومؤسساتها أو الحدّ من قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة.
لكنّ التّحليل السياسي الجادّ يقتضي التّمييز بين الوقائع الموثّقة والتقديرات المتعلّقة بالنّوايا؛ فلا يمكن افتراض وجود مخطّط موحّد لكل ما يجري في المنطقة. ومع ذلك، يمكن رصد نتيجة سياسية خطيرة حين تتراجع قدرة الدول على حماية سيادتها، ويصبح قرارها الداخلي والخارجي محكوماً بموازين قوى تتجاوز إرادتها الوطنية.
التهميش يهدر ما تملكه الدولة من طاقات، أمّا التهشيم فيضرب قدرتها على تحويل هذه الطاقات إلى قوة وطنية.
ثانياً: لبنان... من استنزاف الدولة إلى خطر تهشيمها
إذا أردنا إسقاط هذه القراءة على الواقع اللبناني، فإنّنا نجد أنفسنا أمام دولة تتقاطع فيها الأزمات الداخلية مع الضغوط الخارجية، وتتداخل فيها معضلة السيادة مع الصراع الإقليمي، فيما يدفع المواطن الثمن من أمنه ولقمة عيشه وحقّه في الاستقرار.
لبنان ليس مجرّد ساحة جغرافية صغيرة في شرق المتوسط؛ إنّه موقع استراتيجي، ونقطة تماسّ مع الصراع العربي - الإسرائيلي، وبلد يمتلك تنوّعاً اجتماعياً وثقافياً، لكنّه يعاني في الوقت نفسه هشاشة مؤسساتية وانقسامات سياسية وطائفية تجعل أزماته أكثر قابلية للاستثمار الخارجي.
لقد أظهرت الحرب والاعتداءات الإسرائيلية وما رافقها من نزوح ودمار أنّ الخطر لا يتوقف عند حدود الخسائر العسكرية أو المادية. فحين تُدمَّر المنازل، وتُجرف الأراضي الزراعية، وتتضرّر البنى التحتية، ويُحرم الناس من العودة إلى قراهم، يصبح الاستهداف متصلاً أيضاً بقدرة المجتمع على الصمود والبقاء في أرضه، وتزداد خطورة المشهد حين تتزامن هذه التداعيات مع أزمة اقتصادية ومالية عميقة، ومؤسسات عامة تحتاج إلى الإصلاح، وملف إعادة إعمار يتجاوز قدرة الدولة المالية. وقد قدّر البنك الدولي، في تقييمه الصادر في آذار 2025، احتياجات التّعافي وإعادة الإعمار الناتجة عن الحرب المدمّرة الذي شمله التقييم بنحو 11 مليار دولار، فيما أشار في آب 2026 إلى أنّ تجدّد الصّراع عرقل التّعافي الاقتصادي الهش، وتوقّع انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% خلال العام نفسه . هذه الأرقام ليست مجرّد مؤشّرات اقتصادية؛ إنّها تكشف حجم التّحدّي الذي يواجهه لبنان في حماية قدرته الإنتاجية، وإعادة بناء مناطقه المتضرّرة، ومنع تحوّل النزوح المؤقت إلى اقتلاع اجتماعي واقتصادي طويل الأمد.
إنّ تهشيم لبنان لا يتحقق بالضرورة بإسقاط الدولة رسمياً، بل قد يتحقق أيضاً بإبقائها قائمة شكلياً، فيما تتآكل قدرتها على حماية مواطنيها وإعمار أرضها وفرض سيادتها.
وهنا تبرز خطورة ثلاثة مسارات متداخلة:
1- تهشيم الجغرافيا: حين يتحوّل الجنوب إلى منطقة استنزاف مستمر، وتصبح القرى المدمّرة والحقول المتضرّرة والحدود المهدّدة واقعاً يومياً، تتعرّض علاقة الإنسان بأرضه للاهتزاز. فالأرض ليست عقاراً فحسب؛ إنّها ذاكرة وهوية ومصدر رزق وامتداد اجتماعي. وكلّما تعذّرت العودة إليها، ازدادت كلفة الحفاظ على الوجود فيها.
2- تهشيم الدولة: حين تعجز المؤسسات عن توفير الحماية والخدمات والإعمار، وتتراجع الثقة بالقانون والإدارة العامة، يصبح المواطن أكثر ميلاً إلى البحث عن بدائل خارج الدولة، سواء كانت طائفية أو حزبية أو خارجية. وهكذا تتراجع الدولة بوصفها مرجعية جامعة، وتتقدّم الولاءات الجزئية على حساب المواطنة.
3- تهشيم المجتمع: حين تتحوّل الخلافات السياسية إلى تخوين متبادل، ويُختزل كلّ نقاش حول الأمن والمقاومة والسيادة في صراع بين جماعات متقابلة، تتراجع القدرة على بناء موقف وطني مشترك. وعندها يصبح الانقسام الداخلي عامل ضعف إضافياً أمام الضغوط الخارجية.
ثالثاً: المقاومة والدولة... من معادلة الصراع إلى مشروع السيادة
لا يمكن مقاربة الواقع اللبناني بجدّية من دون التوقف عند العلاقة الشائكة بين المقاومة والدولة. فإسرائيل، بما تمثّله من تهديد عسكري واحتلال واعتداءات، تضع لبنان أمام تحدّي الدفاع عن أرضه وشعبه. لكنّ هذا التحدّي لا يمكن أن يُعالَج بمعزل عن بناء الدولة ومؤسساتها وقدرتها على حماية الحدود.
وفي المقابل، لا يمكن بناء دولة ذات سيادة فعلية إذا بقيت أجزاء من أرضها عرضة للاحتلال أو الاعتداء، أو إذا عجزت عن ضمان أمن مواطنيها وحقّهم في العودة إلى منازلهم. المطلوب، إذاً، ليس تحويل العلاقة بين المقاومة والدولة إلى معركة إلغاء متبادل، بل إخضاعها لنقاش وطني مسؤول يحدّد كيفية حماية لبنان، وصون سيادته، وتوحيد مرجعية القرار الوطني، وتعزيز قدرات الجيش والمؤسسات الشرعية، وفي هذا السياق، تكتسب الدعوة إلى تطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، ومنها القرار 1701، أهميتها من ارتباطها بسيادة لبنان وسلامة أراضيه ومسؤولية الدولة عن أمنه. وقد شدّد الأمين العام للأمم المتحدة، في حزيران 2026، على ضرورة التوصّل إلى تسوية دبلوماسية تحترم سلامة الأراضي اللبنانية وسيادته واستقلاله السياسي ضمن حدوده المعترف بها دولياً ، إنّ المعادلة التي ينبغي أن تحكم التفكير الوطني هي أنّ المقاومة وسيلة لحماية الأرض، أمّا الدولة فهي الإطار الذي يصون الأرض والإنسان والسيادة معاً. وكلّما ازدادت الدولة قدرةً على الدفاع عن مواطنيها، وحماية حدودها، وإعادة إعمار مناطقها، تراجعت مساحة الفراغ التي تتغذّى منها الصراعات.