7 جمادى الأولى 1448

الموافق

الإثنين 19-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "اجترار الشكوى"!
"اجترار الشكوى"!
القاضي م جمال الحلو
2026-10-19
"اجترار الشكوى"!

يُحكى أنّه، في زمان الضجر، والنقش على الحجر، والبعد عن نقض البشر، كان رجلٌ صالح، ذائع الصيت بالحكمة وسداد الرأي، يقصده الناس من كلّ حدب وصوب، يلتمسون مشورته، ويبتغون لديه أجوبةً عمّا استعصى عليهم من أسئلة، وما ألمّ بهم من مشكلات.

وكانوا، كلّما انقضت بهم الأيام، عادوا إليه، يكرّرون الشكاوى ذاتها، ويعيدون عرض المصاعب نفسها، كأنّهم يدورون في حلقةٍ مفرغة، لا يتقدّمون منها خطوةً ولا يبرحونها. حتى ضاق الرجل الحكيم بتكرارهم، وسئم اجترارهم، وأدرك أنّ بعض الناس لا ينقصهم سماع الحكمة، بل ينقصهم أن يعملوا بها.

وفي أحد الأيام، دعاهم إلى مائدته، وأكرم وفادتهم، وقدّم لهم أطيب الطعام وأشهى الشراب، ثمّ قصّ عليهم نكتةً طريفة، فما كان منهم إلّا أن انفجروا ضاحكين، وتعالت قهقهاتهم حتى ملأت المكان. وما لبث أن أعاد النكتة نفسها مرّةً ثانية، فارتسمت ابتساماتٌ خجولة على وجوه بعضهم. ثمّ أعادها للمرّة الثالثة، فإذا بالصمت يخيّم على المجلس، وإذا بالوجوه تسكن، وكأنّ على رؤوسهم الطير؛ فلا ضحك، ولا ابتسام، ولا استجابة.

عندها ابتسم الحكيم، وقال لهم:

«إذا كنتم لا تستطيعون الضحك على النكتة نفسها مرّاتٍ متتالية، فلماذا تواصلون البكاء على المشكلات نفسها، وتعيدون اجترار الهموم ذاتها، من غير أن تسعوا إلى تغيير ما يمكن تغييره منها؟».

وهنا بيت القصيد، وخلاصة الحكمة: إنّ تكرار الشكوى لا يبدّد الهمّ، واجترار الألم لا يداوي الجرح؛ وإنّما يبدأ الفرج حين نكفّ عن الدوران في فلك المعاناة، ونشرع في البحث عن سبيلٍ للخروج منها. فليس المقصود أن يكتم المرء وجعه، أو يتظاهر بالقوّة وهو يرزح تحت وطأة الألم، بل أن يميّز بين شكوى تُفضي إلى فهمٍ أو عون، وشكوى تستنزف الروح، وتستنفد صبر السامعين، ولا تغيّر من الواقع شيئًا.

فلا تُكثرنّ من بثّ شكواك إلى الناس، واجعل بثّك وحاجتك إلى ربّ الناس، فهو الأعلم بما تخفي الصدور، والأرحم بضعف الإنسان وانكساره. غير أنّ الشكوى إلى الله لا تنافي الأخذ بالأسباب، ولا تمنع الاستعانة بمن يُحسن الإصغاء، ويملك القدرة على النصح أو المساعدة؛ فالحكمة ليست في الصمت المطلق، بل في أن نعرف لمن نشكو، ومتى نتكلّم، وكيف نحوّل الألم من عبءٍ يُثقلنا إلى دافعٍ ينهض بنا.

ولعلّ أبلغ ما يُقال في هذا المقام ما نظمه الشاعر كريم العراقي في قصيدته الشهيرة، إذ يقول:

«لا تشكُ للناس جرحًا أنت صاحبهُ
لا يؤلم الجرحَ إلّا مَن به ألمُ

شكواكَ للناس يا ابن الناس منقصةٌ
ومن من الناس صاحٍ ما به سقمُ؟

فالهمّ كالسيل، والأحزان زاخرةٌ
حُمرُ الدلائل مهما أهلُها كتموا».

فما من إنسانٍ إلّا وله نصيبٌ من الوجع، وما من قلبٍ إلّا ويُخفي وراء سكونه حكايةً من التعب، وإن تفاوتت الهموم واختلفت ألوانها. ومن هنا، لا ينبغي أن نزيد أحمال الآخرين بأوجاعٍ نعيد روايتها من غير غاية، كما لا ينبغي أن نغلق أبوابنا في وجه مَن يستجير بنا من ضيقٍ أو كرب. فبين الإفراط في الشكوى والقسوة على الشاكين خيطٌ رفيع، لا يدركه إلّا مَن جمع بين رجاحة العقل ورقّة القلب.

وخلاصة القول: ليست الحكمة أن نمنع الدمع من الانهمار، ولا أن نُسكت اللسان عن الشكوى، بل أن نمنح الألم معناه، والشكوى غايتها، والحياة فرصةً جديدة. فما كُتب علينا من ابتلاءٍ لا يُرفع بترديد الحزن وحده، بل بالصبر الواعي، والسعي الدؤوب، والتوكّل الصادق على الله. ولعلّ أجمل ما يفعله الإنسان بنفسه أن يتعلّم من جرحه بدل أن يسكن فيه، وأن يجعل من شكواه بدايةً للتغيير، لا حكايةً يعيدها على مسامع الناس إلى ما لا نهاية.

جنوبيات
أخبار مماثلة