في الرابع من يوليو 1776، نهض القاري توماس جيفرسون، وقرع جرس الإستقلال في فيلادلفيا، بمقاطعة بنسلفانيا، معلنا إنشقاق 13 مقاطعة في أميركا، عن التاج البريطاني/ الإنكليزي. ومع أفول القرن التاسع عشر، إكتمل عقد الولايات المتحدة الخمسون، بإنضمام أرخبيل جزر هاوي، والألسكا. ودخلت الولايات المتحدة إلى الملعب العالمي القديم، ومعها تجربتها الغنية في الوحدة والحرية والديمقراطية والعدالة الإجتماعية، وشيّدت لذلك نصبا في جزيرة الحرية من ولاية نيويورك، عند مصب نهر الهدسون. لشرفها، ولرفع شأنها...
كان العالم القديم، يشكو من وطأة الأمبراطورية العثمانية، وكذلك من وطأة القياصرة في بلاد روسيا، ومن التاج البريطاني، وطموحات فرنسا الإمبراطورية، وكذلك من طموحات الإسبان والبرتغاليين والألمان والإيطاليين والنمساويين، كانت الدول الأوروبية، تنزع للتطلّع للخروج من أوروبا، الى آسيا وإفريقيا وأميركا، وإلى القارة الأوقيانية.
كانت الولايات المتحدة تتبلور، قضية ومفهوما وتجربة، جد حديثة، وكانت تصوغ كل ذلك في سياسة جديدة، تتقدّم بها من العالم القديم، بإعتباره لا يزال على قدمه من توجهاته الإستعمارية. كانت نظرتها إلى العالم القديم، نظرة البناء، الذي يريد أن يهدم الدارة، لإعادة بنائها من جديد، بعد تجربة عاشها، ورأى فيها تجربة ناجحة.تحليل سياسي
تحوّلت أنظار أميركا عن القارة الأوروبية لقساوة عودها، ووجدت الدولة الجديدة الطامحة، فرصتها في آسيا وأفريقيا. فوجّهت أنظارها إلى تلك المواطن والبلدان الشاسعة، منذ بداية القرن الثامن عشر، بعدما لملمت في أوضاعها، وبعدما أعملت نظرها، في خريطة العالم القديم. سبقت إليه، قبل الحربين العالميتين، وهي التي حركت بحاره ومحيطاته الراكدة، وأثرت الحروب وأغنتها، بجديد فصولها.
منذ ذلك التاريخ المبكر، كانت رسل أميركا كما سفراؤها وعلماؤها وروادها، يخرجون من الولايات المتحدة بثقافتهم الجديدة، وبعلومهم الجديدة. كانت بلاد العالم القديم، الكتاب الذي عادوا لقراءته، بناء على تجربتهم الجديدة. ولهذا حملوا راياتهم التبشيرية، إلى كل موطن نزلوا فيه، وشرعوا في نشر مبادئ الإنجيلية المعمدانية التي حملوها معهم، كنيسة وجامعة، لنفض الغبار عن الزمن العتيق، ككهف مهجور...
كان المبشّرون الإنجيليون الأميركيون الجدد، يتميّزون عن المبشّرين الأوروبيين المعاصرين، بثقافتهم وبلسانهم وبلغتهم. كانت تجربتهم أغنى، وكانت مفاجئة لكل الناس، لأنهم عرفوا كيف يضربون على الوتر الحساس، أينما كانوا يحلّون، بين الجماعات المختلفة، فيتحدثون أكثر منهم، عن قضيتهم، وينكأون جراحهم.
في مطلع القرن العشرين، كانت الولايات المتحدة قد طوت مرحلة التبشير، وانتقلت إلى مرحلة التقرير. كان روادها، يعكفون على كتابة التقارير، عن الأوضاع السائدة في العالم القديم: أوروبا وآسيا وأفريقيا. وكانت هذه التقارير، تؤرشف للأوضاع القلقة، وتحمل إلى المراجع والمختبرات العلمية الأميركية، للنظر وإبداء الرأي فيها..
مصطلح "قضية"، كان أول مصطلح أميركي، يعنون للأوضاع العامة، في البلدان والأوطان. وكانت التقارير المحررة، تجمع تحت هذا العنوان، لتتم دراستها. وقد تأثّر جيل عظيم من الكتّاب الأجانب والعرب، بجمع التقارير، عن أوضاع البلدان التي كانت موضع عنايتهم وإختصاصهم وشغفهم، و«شغلهم» أيضا...
ويمكن أن نلاحظ، منذ المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر، كيف تحوّل كثيرون من الباحثين والكتّاب العرب والأجانب، لوضع المقالات والأبحاث و المؤلفات المؤلفة، عن المسألة الشرقية، وعن القضية المصرية، وعن القضية الأردنية وعن القضية العراقية، وعن القضية الفلسطينية، وكذلك عن القضية اللبنانية.
صارت لهذه البلدان وغيرها قضايا، منذ ذلك التاريخ المبكر.
وأخذت الإدارة الأميركية، في تضبير هذه القضايا وأولتها عنايتها، وجعلتها في رأس اهتماماتها. فكل صقع، وكل بلقع من الأرض، ضبروا له قضية، وتوسّعوا في تضبيرها وتدبيرها، بحيث إذا ما أرادوا أن يعودا إليه، يتحدثون أول ما يتحدثون عن قضيته.
الولايات المتحدة، تتحدث عن البلدان والأوطان بلغة القضايا، وأمامها اليوم: القضية الفلسطينية والقضية السورية، والقضية العراقية والقضية اليمنية والقضية المصرية والقضية الليبية. وأما القضية اللبنانية، فهي من بين الملفات الكثيرة التي تراجعها. وليس معروفا لدى الجهات المراجعة، ما إذا وضعتها على نار حامية، خصوصا وأن بولس نجيم كما جورج إنطونيوس، كانا من أوائل من كتب عنها، في السنوات الأولى من القرن التاسع عشر.
القضية اللبنانية اليوم، عالقة أميركيا، في "مضيق هرمز"، وفي أنفاق تلة "علي الطاهر" عذرا، فنحن لا نعرف مسبقا، ماذا يجري لها، بعد قرن من الزمن، إذا ما أصابها الطاعون:
«عقلاتنا زغار»...