لم يكن اللقاء الأخير الذي جمع رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام بقائد الجيش العماد رودولف هيكل في السراي الحكومي، مجرد محطة أمنية دورية لتقييم الميدان أو إصدار البيانات المعتادة. بل شكّل هذا الاجتماع، في توقيته ودلالاته السياسية والمؤسساتية، نقطة تحوّل حاسمة كان لها ما بعدها في المشهد اللبناني المعقّد؛ إذ انطوى على عنوان استراتيجي رئيسي: إعادة ترميم وتثبيت العلاقة بين رأس السلطة التنفيذية وقائد المؤسسة العسكرية، وذلك عقب فترة من الفتور والتجاذبات الصامتة التي كادت أن تنعكس سلباً على الأداء الأمني في مرحلة تُعدّ الأكثر حرجاً في تاريخ البلاد الحديث.
وتكشف المعطيات المتقاطعة من كواليس القرار والدبلوماسية الإقليمية، أن هذا المشهد الجامع بين السراي الحكومي واليرزة ما كان ليرى النور بهذه السلاسة والوضوح، لولا التدخّل المباشر والدور المحوري الذي لعبته الدبلوماسية السعودية.
• مقاربة عسكرية متكاملة من نيويورك إلى واشنطن
تبيّن، وفق المعطيات المتداولة عن الزيارة الأخيرة لرئيس الحكومة نواف سلام إلى الولايات المتحدة، أنّ هبوطه الدبلوماسي لم يقتصر على الشق السياسي البروتوكولي، بل حمل معه ملفاً متكاملاً عن الجيش اللبناني. تضمّن هذا الملف عرضاً شاملاً لقدرات المؤسسة العسكرية وإمكاناتها العملانية، مدعوماً بخرائط عسكرية وقراءة ميدانية لواقع انتشار الجيش في الجنوب، والمهام التي يستطيع تولّيها في المرحلة المقبلة.
وقد شكّل هذا الملف محوراً أساسياً في كل اللقاءات التي عقدها، حيث انتزع إعجاب وتقدير المسؤولين والدبلوماسيين الذين التقاهم لجهة إلمامه الاستثنائي بملف المؤسسة العسكرية واحتياجاتها، وبالتحديات الميدانية واللوجستية التي تواجهها. تكمن أهمية هذه المقاربة في أنّ الرئيس سلام لم يكتفِ بعرض المواقف السياسية والقرارات السيادية التي اتخذتها الحكومة، بل تسلّح برؤية عملانية تُظهر كيفية ترجمة هذه القرارات إلى إجراءات ميدانية قابلة للتنفيذ. وهو ما أكّد جدية الحكومة اللبنانية في الالتزام بكل قراراتها السيادية التي تشكّل منهجاً لأدائها، وحرصها على بسط سلطة الدولة وتعزيز دور الجيش بوصفه المؤسسة الشرعية المخوّلة حماية السيادة والاستقرار، بالتوازي مع إبراز الجهوزية العالية داخل الجيش لتولي المهام العسكرية ذات الصلة.
وفي هذا السياق، اكتسبت الدبلوماسية السعودية التي اضطلعت بدور محوري في هندسة وترتيب لقاءات سلام في واشنطن ونيويورك أهمية إضافية؛ إذ إنّ هذا الإلمام الدقيق من قِبل الرئيس سلام بملف الجيش، ووضوح الرؤية اللبنانية والقدرة على تقديم تصوّر عسكري متكامل، شكّلا دافعاً كبيراً وأرضية صلبة للتحرّك الدبلوماسي السعودي، ولا سيما خلال اللقاء البارز مع وزير الخارجية الأميركي. فالمطلوب لم يكن مجرد حشد التأييد السياسي، بل إقناع الشركاء الدوليين بأنّ الدولة اللبنانية تمتلك قراراً واضحاً وأنّ الجيش قادر على الاضطلاع بدوره متى توافرت له التغطية السياسية والإمكانات العملانية.
وقد أسفرت مروحة الاتصالات والمباحثات المكثّفة بشأن الوضع اللبناني عن التوافق على تداول تصوّرات عملانية تقضي بإنشاء منطقة عسكرية مركزية، واسعة ومتقدمة ونموذجية خارج «المنطقة الصفراء»، تحظى بدعم وتجهيز ومؤازرة خارجية. ويهدف هذا الترتيب إلى منح وحدات الجيش هامشاً أوسع من المرونة للتحرّك والمناورة والانتشار الميداني السريع لملء أي فراغ أمني ومنع نشوء أي ذريعة لتوسيع التدخّلات الخارجية.
• وساطة سعودية في أوروبا: تفكيك العقد وإذابة الجليد
وفي امتداد لهذا الحراك، كشفت مصادر سياسية ودبلوماسية مطّلعة، أن تثبيت هذا المسار في الداخل تطلب فصلاً آخر من المشاورات المكثفة التي جرت بعيداً عن عدسات الصحافة والإعلام في إحدى العواصم الأوروبية. هناك، عُقد اجتماع حاسم جمع قائد الجيش العماد رودولف هيكل بالشخصية الدبلوماسية السعودية.
تركّزت المباحثات في تلك الجلسة المغلقة على معالجة مكامن الخلل والتذبذب الذي شاب قناة التواصل المباشرة بين رئيس الحكومة وقائد الجيش خلال الأسابيع الماضية. واستندت الوساطة إلى رؤية واضحة مفادها أن الاستقرار الأمني والسياسي في لبنان يظل هشاً ومهدداً ما لم تكن العصب المركزي للدولة المتمثل برئاسة الحكومة والقيادة العسكرية على مستوى عالٍ من الانسجام والتنسيق الصارم.
وقد نجحت هذه الجهود الدبلوماسية الهادئة في تفكيك عناصر التوتر، ورأب الصدع، وتبديد الفتور الذي خيّم على العلاقة بين سلام وهيكل. ولم تكتفِ الوساطة بإذابة الجليد وتوضيح سوء الفهم، بل تجاوزت ذلك إلى إرساء قواعد جديدة للعمل المؤسساتي التكاملي، تُكرّس مرجعية السلطة السياسية ورئاسة الحكومة، وتضمن في الوقت ذاته توفير الغطاء الكامل والتسهيلات الميدانية المطلوبة لقيادة الجيش لأداء مهامها الأمنية والعسكرية بمرونة وحرية كاملتين.
• تثبيت التحالف المؤسساتي في السراي الحكومي
هذا المناخ التواصلي المتجدّد انعكس بشكل مباشر وفوري على طاولة المباحثات في بيروت. فقد اتسم لقاء السراي الحكومي بنبرة حازمة وإيجابية في آن واحد؛ حيث حرص رئيس الحكومة نواف سلام على التأكيد علناً وضمنياً على إرسال رسالة دعم سياسي حاسمة للمؤسسة العسكرية، مجدّداً التزام الحكومة القاطع بتوفير الغطاء السياسي المطلق والدعم اللوجستي والميداني المستمر للجيش اللبناني وقائده العماد رودولف هيكل.
في المقابل، عكس موقف قائد الجيش التزام المؤسسة العسكرية الصارم بمرجعية الدولة ومؤسساتها الشرعية، والتأكيد على أن الجيش يقف على مسافة واحدة من الجميع، ويأتمر بأوامر الدستور والقرارات الحكومية التي تصون أمن البلاد وتدعم سلطة القانون على كامل الأراضي اللبنانية.
• ما بعد اللقاء: أداء الدولة أمام الاختبار
تحمل هذه المقاربة دلالات سياسية وعسكرية تتجاوز مسألة الانتشار الميداني؛ فهي تعكس توجّهاً نحو بناء ثقة عربية ودولية متجددة بالجيش اللبناني وبالقرار السيادي للحكومة الذي يشكّل الغطاء ومظلة الأمان السياسية له. غير أنّ هذه الثقة تبقى مرتبطة بمدى اقتران القرارات الحكومية بالتنفيذ الميداني، واستمرار التنسيق بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية، فضلاً عن توفير الدعم اللوجستي والتقني والمالي الخارجي المستدام.
من هنا، تبرز معادلة أساسية تتكامل فيها العناصر: قرار سيادي واضح، وغطاء سياسي حكومي متماسك، وجيش جاهز ويمتلك مرونة التنفيذ، ودعم عربي ودولي يترجم الالتزامات إلى إمكانات فعلية. فهذه العناصر مجتمعة تمنح لبنان فرصة تثبيت حضوره كدولة مسؤولة عن أمنها، بدلاً من ترك الميدان مفتوحاً أمام الفراغ.
لقد برهنت الوساطة الدبلوماسية أن حماية الاستقرار الداخلي تبدأ من الحفاظ على تماسك القادة والمؤسسات الشرعية؛ وبات المطلوب اليوم استثمار هذا التنسيق المستعاد بين سلام وهيكل لإثبات قدرة الدولة اللبنانية على حماية أمنها، وكشف الحقائق كاملة، ومحاسبة المتورطين، وفرض هيبة القانون والسيادة على امتداد أراضيها، لتكون هذه المخرجات موضع اختبار حقيقي ومستمر في المرحلة المقبلة.