في ظل التطورات المتسارعة والمواجهات العسكرية المحتدمة التي تشهدها المنطقة، تتجلّى حقيقة سياسية وأمنية كبرى لا يمكن التغاضي عنها أو تجاوزها في حسابات التحليل الاستراتيجي؛ ألا وهي أن السعودية تدفع اليوم ثمن رفضها الصريح والمستمر للتطبيع مع العدو الإسرائيلي!
إن ما تشهده المملكة العربية السعودية من ضغوط متزايدة، وما تواجهه من محاولات ممنهجة لاستنزاف أمنها واستقرارها عبر التهديدات المستمرة والهجمات على حدودها ومناطقها الحيوية ومقدراتها الاقتصادية، يطرح تساؤلاً جوهرياً يتصدّر واجهة النقاش السياسي والإعلامي والنخبوي على حد سواء: هل تُحاسَب الرياض اليوم على عرقلتها لمساعي التطبيع وقطع الطريق أمام الصفقات المشبوهة، لتصبح هدفاً لكل من يستفيد من ضرب استقرارها وإرباك قرارها السيادي؟
• هندسة الضغوط: الاستنزاف الأمني كأداة لإملاء الشروط
لم تعد المسألة في المشهد الإقليمي الراهن مجرد صراع إقليمي تقليدي يحُدّه سياق الجغرافيا أو النزاعات الحدودية البحتة، بل تحوّلت بوضوح تام إلى استراتيجية استنزاف ممنهجة تُدار بأدوات متعددة. إن المحاولات المستمرة لتهديد أمن الخليج العربي وخطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، تُستغل بشكل مكشوف لممارسة أقصى درجات الضغط السياسي والنفسي على صانع القرار في الرياض.
فالمملكة، التي شكّلت عبر تاريخها السياسي الحديث السد المنيع والعقبة الكبرى أمام إمرار صفقات مشبوهة تتجاهل الحقوق العربية الأساسية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، تجد نفسها اليوم في مرمى نيران متعددة الجهات والأهداف. هذه النيران لا تستهدف البنية التحتية فحسب، بل تستهدف الإرادة السياسية للرياض، محاولةً ثنيها عن مواقفها الصلبة التي ترفض الخضوع لإملاءات الخارج.
وتتقاطع هذه الضغوط العسكرية والأمنية بشكل ملحوظ مع الطروحات والتسريبات الدبلوماسية التي زفّت أنباءً عن تقديم ما يُسمى «عروض حماية» أو «تنسيق استخباراتي» يتردد دور العدو الإسرائيلي فيه برعاية وتوسّط أميركي في محاولة مفضوحة لمقايضة أمن المملكة واستقرارها بتقديم تنازلات سياسية كبرى في ملف التطبيع الإقليمي. وهي مقايضة خبيثة تدرك القيادة السعودية أبعادها الاستراتيجية الخطيرة، وترفض رفضاً قاطعاً الانجرار إلى فخاخها التي تهدف إلى تفكيك الموقف العربي الموحّد.
• كواليس المناورات: اعترافات إسرائيلية صريحة ورفض سعودي
تتجلّى أبعاد هذا الابتزاز السياسي والأمني في التصريحات المتتالية الصادرة عن أقطاب حكومة الاحتلال الإسرائيلي؛ حيث لا تتوانى تل أبيب عن التلميح المتكرر برغبتها الحثيثة في الدخول على خط الأزمات الإقليمية تحت شماعة «المساعدة الأمنية والدفاعية» لدول المنطقة. ولعلّ التصريحات الشهيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتي أشار فيها بوضوح إلى أن إسرائيل قد «ساعدت معظم دول الشرق الأوسط، حتى أولئك الذين ألقوا خطابات ضدنا في الأمم المتحدة»، تأتي لتكشف جزءاً يسيراً من رغبة الكيان المحتل في فرض نفسه كشريك أمني ضروري قسراً عن إرادة شعوب وقادة المنطقة.
غير أن المعطيات الدبلوماسية الدقيقة تؤكد وجود موقف سعودي صلب لا تهزّه العواصف، يمثله رأس الهرم القيادي في الرياض، ويرفض تماماً أي شراكات أمنية أو تدخّلات عسكرية مباشرة أو غير مباشرة من هذا النوع. هذا الرفض ينمّ عن إدراك عميق للتداعيات الكارثية لمثل هذه الخطوات على الرأي العام السعودي والعربي، وعلى بوصلة الأمة التاريخية التي تأبى الخضوع لمشاريع الهيمنة الإسرائيلية.
إن محاولات استغلال التهديدات الحوثية المستمرة والهجمات المتكررة على المنشآت الحيوية لإحراج الموقف السعودي، تثبت يوماً بعد يوم أن الأطراف الرافضة للقرار السعودي المستقل تسعى جاهدة لترسيخ واقع مأزوم يجعل من استنزاف أمن المملكة وسيلة ضغط دائم لإجبارها على السير في مسارات رفضتها مراراً وتكراراً في العلن وفي الغرف المغلقة.
• صمود سيادي في وجه الصفقات المشبوهة
أمام هذا الواقع الإقليمي المعقّد والمليء بالتحدّيات الجسام، تصرُّ الرياض على إرسال رسائل سياسية حاسمة وواضحة مفادها أن استقرارها القومي وسيادتها الوطنية ليسا محل مساومة أو ابتزاز تحت أي ظرف من الظروف. ولن تكون الضغوط الأمنية، مهما بلغت حدّتها وخطورتها، بوابات خلفية آمنة لتمرير صفقات تسلب الأمة حقوقها وتفرض تطبيعاً مجانياً على حساب القضايا العادلة.
إن الموقف السعودي المستقل، الذي نجح في عرقلة مخططات هندسة المنطقة وفق أهواء الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه، يظل العلامة الفارقة والركيزة الأساسية في صلب المشهد العربي المعاصر. ويبقى الرهان الحقيقي معقوداً على قدرة المملكة وحكمتها العالية في إدارة معركتها الدفاعية والسياسية بالتوازي، لإفشال مخططات الاستنزاف الممنهجة وحماية أمنها واستقرارها بقرار سعودي خالص لا يخضع لأي إملاءات خارجية، ولا يلتفت إلى محاولات الابتزاز السياسي مهما تعددت أشكالها وألوانها.